فقه الشريعة

 

 

حقوق الإنسان في الإسلام

 

 مدخل: عوامل اختيار هذا الموضوع

 

1. كثرة الحديث عن حقوق الإنسان على المستوى الوطني والعالمي من خلال وسائل الإعلام وتأسيس الجمعيات والهيئات الحكومية وغير الحكومية المهتمة بقضايا حقوق الإنسان.

2. رد الشبهات المثارة حول التشريع الإسلامي، مثل: إقرار الشريعة بنظام العبيد والإماء، عدم المساواة بين المرأة والرجل...

3. جهل المسلمين بالحقوق المقررة في الشريعة الإسلامية.

4. تنازل بعض المسلمين عن هذه الحقوق استجابة لمقتضيات حقوق الإنسان الواردة في المواثيق الدولية، أو نزولا لضغط الواقع.

5. الاهتمام الدولي بقضايا حقوق الإنسان من خلال إصدار عدة إعلانات ومواثيق دولية منها:

-1- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/12/1948، ويعتبر لب الشرعية الدولية المتعلقة بالمنظومة الحقوقية.

-2- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر في 16/12/1966.

-3- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16/12/1966.

-4- إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة في 14/12/1960.

-5- قرار السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية للدول الصادر في 14/12/1963.

-6- إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الصادر في 20/11/1963.

-7- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري المؤرخة في 21/12/1965.

- 8- اتفاقية التمييز في مجال الاستخدام والمهنة المعتمدة من طرف المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية في 25/06/1958.

-9- الاتفاقية الخاصة لمكافحة التمييز في مجال التعليم المعتمدة من طرف المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة الصادر في 14/12/1960.

-10- اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة الصادرة في 18/12/1979.

-11- إعلان بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائم على أساس الدين أو المعتقد الصادر في 25/11/1981.

-12- اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية الصادرة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المؤرخ في 09/12/1948.

-13- اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بقرار الجمعية العامة المؤرخ في 26/11/1968.

-14- اتفاقية لمناهضة التعذيب داخل السجون التي صدرت عن الجمعية العامة بتاريخ 10/12/1984.

-15- ميثاق حقوق الطفل العربي الصادر في 1984.

-16- اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 1989.

 

أولا: فلسفة الحريات وحقوق الإنسان في الإسلام

 

- إن الحقوق والحريات في الإسلام قائمة على عقيدة التوحيد، فالذي لا يعبد الله عز وجل يبقى أسيرا وعبدا للطواغيت (الآلهة المزيفة)، أما المؤمن فهو حر لأنه يعبد الله الذي خلقه وهو المستحق للعبادة، فلا يُعبد بحق إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[1].

- إن الإسلام حرّر الضمائر والوجدان والمصائر من غير الله، قال تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[2].

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[3].

 

ثانيا: مصدر الحقوق والحريات في الإسلام

 

الحقوق والحريات مصدرها الله تعالى، قال أبو حامد الغزالي: [لا حكم قبل ورود الشرع]، فالشرع هو الذي قرر الحقوق، فالله تعالى خالق الإنسان والكون، وهو المالك الأصلي لجميع المخلوقات، قال تعالى:

﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[4].

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا...[5].

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً...[6].

 

ثالثا: طبيعة الحقوق والحريات في الإسلام

 

اتخذت الحقوق والحريات في الإسلام طابعا تكليفيا، لأنها وردت بحكم شرعي، والحكم الشرعي هو خطاب الله عز وجل للمكلفين، وهذا ما يعطيها القوة والديمومة، وقد كلفنا الله بالمحافظة عليها، ومثال ذلك: تقرير حق الفقير لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[7]، فالغني مكلف بأداء حقوق الفقراء، وذلك بإخراج الزكاة من أوعيتها حسب قواعد الشريعة الإسلامية.

 

رابعا: خصائص الحقوق والحريات في الإسلام

1. إلهية المصدر: إن الحقوق والحريات في الإسلام مصدرها الوحي (الكتاب والسنة)، ومن ثمرات ذلك:

أ- قدسية الحقوق التي شرعها الله فلا يجوز انتهاك حرمتها.

ب- الثبات والديمومة فلا تقبل زيادة أو نقصا ولا نسخا أو تعطيلا.

2. الشمولية: تشمل جميع الحقوق: الشخصية، والاجتماعية والثقافية والفكرية والمعنوية والاقتصادية والسياسية... كما تشمل الإنسان في جميع أحواله: ذكرا أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، جنينا أو وليدا، غنيا أو فقيرا، حاضرا أو غائبا، حيا أو ميتا....

3. النسبية: إن حقوق الإنسان وحرياته ليست مطلقة، فلها حدود تقف عندها لا تتجاوزها درءا للعدوان على حقوق الآخرين وحرياتهم إذ أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.

4. التوازن بين حقوق الفرد والجماعة: قرر الإسلام حقوق الفرد المختلفة المستوعبة لجميع شؤون حياته في الوقت الذي قرر حقوق الجماعة باعتبارها الإطار الجامع للأفراد، وذلك بشكل يحقق التوازن بلا إفراط أو تفريط.

 

خامسا: ضمانات حقوق الإنسان في الإسلام

 

1. المرجعية الدينية: وهي أكبر ضمانة تحفظ حقوق الإنسان وحرياته.

2. مبدأ فصل السلطات: وذلك بتوزيع السلطات الفاعلة في الدولة على هيئات متخصصة: تشريعية وقضائية وتنفيذية، وهذا من شأنه إبعاد الاستبداد والظلم، وهذا ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته الراشدة.

3. تقرير مسؤولية الحاكم: أمام الشريعة بالتزامه الأحكام الشرعية في تسيير شؤون الدولة، ومسؤوليته أمام الرعية الذين يملكون حق عزله عند خروجه على شريعة الله.

4. الرأي العام الناضج: الذي يشكل حارسا أمينا على الحقوق والحريات المختلفة فينتفض عند حصول عدوان جزئي أو كلي عليها.

5. الرقابة القضائية: يعتبر القضاء في الإسلام حصنا حصينا يلجأ إليه كل من أعتدي على حق من حقوقه طلبا للإنصاف واستردادا لحقه الضائع.

 

سادسا: أنواع حقوق الإنسان

 

النوع الأول: الحق في المساواة

أ- فلسفة وأساس المساواة في الإسلام:

دلت نصوص في القرآن والسنة على المساواة بين الخلق دون تمييز بين ذكر وأنثى، فيشترك الجميع في أصل الخلق.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ...[8].

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[9].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[10].

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:

(يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب)[11].

وثبت في السيرة أن صحابيا عيّر بلال بن رباح بقوله: [يا ابن السوداء] فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: (إنك امرؤ فيك جاهلية)[12].

ب- مظاهر المساواة في الإسلام:

1. المساواة أمام أحكام الشريعة:

فهي أحكام عامة ومجردة، فالوحي يخاطب الناس بصفاتهم لا بذواتهم.

قال تعالى ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ...[13].

2. المساواة أمام القضاء:

- اختلف ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مع قبطي بمصر وكان والده واليا عليها فصفعه فأراد أن يشكوه فقال: أشكوني إلى من أحببت فأنا ابن الأكرمين، فرفع الأمر إلى الخليفة العادل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فاقتص منه وقال مقولته المشهورة: [متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا].

- تحاكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مع يهودي إلى القضاء فحكم القاضي لصالح اليهودي دون اعتبار لمركزه كخليفة على المسلمين، وكان ذلك سببا في إسلام هذا اليهودي لما لمسه من عدالة الإسلام في القضاء.

- أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسالة إلى أبي موسى الأشعري [آس بين الناس في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك...][14]، وهي الرسالة التي اعتبرت دستور القضاء.

3. المساواة في تولي الوظائف العامة:

أي إسنادها إلى أصحابها طبقا لمعايير حسب الجدارة والاستحقاق والكفاءة.

قال تعالى على لسان سيدنا يوسف: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[15].

4. المساواة في الانتفاع بالمرافق العمومية:

فيستوي في ذلك جميع أفراد الرعية داخل الدولة المسلمة.

5. المساواة في تحمل الأعباء:

فالزكاة مثلا فرضت على كل الأغنياء بشروطها الشرعية، وإذا لم تف الزكاة حاجات الأمة يمكن لولي الأمر أن يفرض ضرائب إضافية على الأغنياء لتلبية تلك الحاجات حسب طاقاتهم.

 

النوع الثاني: الحقوق والحريات الشخصية

-1- الحق في الأمن:

أولا: النصوص الشرعية الدالة عليه

قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا...[16].

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا[17].

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا...[18].

﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ...[19].

ثانيا: القواعد العامة في حق الأمن

1. الأمن نعمة جليلة تلبي حاجة فطرية في الإنسان.

2. بقدر ما يتحقق الأمن بقدر ما يحقق الإنسان العمران والاستخلاف.

3. من مقاصد الإسلام تحقيق الأمن في الدين والنفس والعرض والعقل والمال.

4. تحدث الإمام الماوردي في كتابه "أدب الدنيا والدين" عن ستة قواعد تصلح بها الدنيا، في الرابعة منها قال: [هي أمن عام تطمئن إليه النفوس، وتنتشر فيه الهمم، ويسكن فيه البريء، ويأنس فيه الضعيف، فليس لخائف راحة، ولا لحاذر طمأنينة...].

5. يقول أبو حامد في كتابه "التبر المسبوك في نصائح الملوك": [إن ولي الأمر يحتاج إلى ألف خطة وكلها مجموعة في خصلتين إذا عمل بهما كان عادلا وهما: عمران البلاد، وأمن العباد].

6. حرمة النفس البشرية وتكريم الله لها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...[20]، ولتحقيق أمنها حرم قتلها والاعتداء عليها.

﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ...[21].

﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا...[22].

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا[23].

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...[24].

وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)[25].

7. تقرير قاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، ويقابلها في الفقه الإسلامي قاعدة "الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة إلا بنص".

8. تقرير قاعدة "لا يطل دم في الإسلام" فلا يضيع أي دم هدرا، فشرع القسامة، فحين يقتل شخص من مج