فقه الشريعة

 

 

اختلاف الفقهاء

 

تمهيد:

 

إن جذع شجرة الإسلام الكتاب والسنة، وفروعه الأدلة الشرعية والعقلية المتنوعة، وثماره الأحكام الفقهية مهما اختلفت وتعددت... والفقهاء لم يختلفوا في الأصول بل في الفروع، والاختلاف ثروة علمية كبيرة، يعرف قدرها أهل العلم.

 

أولا: أسبابه

 

1. احتمال النصوص الشرعية

أ- الدلالة الظنية والألفاظ المشتركة في القرآن والسنة والتي تحتمل أكثر من معنى: مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ...(228) البقرة، فالقرء عند الحنابلة والحنفية يعني الحيض، وهو الطهر عند المالكية والشافعية، وقوله تعالى: ﴿...وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ...(6) المائدة، الباء لها معاني كثيرة منها: التبعيض والإلصاق، لذلك تعددت أقوال الفقهاء منها: مسح بعض الرأس يجزئ في الوضوء.

ب- الاختلاف في ضبط الحديث النبوي من حيث العربية: قال صلى الله عليه وسلم: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، عند الشافعية والمالكية "الذكاة" بالضم، تفيد أن ذكاة الجنين هي ذكاة أمه فلا يحتاج إلى ذكاة، وعند الحنيفية وغيرهم مثل ابن حزم "الذكاة" بالنصب، وتفيد أن ذكاة الجنين كذكاة أمه أي يجب أن يذكى.

ج- احتمال النص في مجموعه (مضمونه) لأكثر من معنى: عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة الأحزاب نزل عليه جبريل واستعجله بالذهاب إلى بني قريضة، فقال لأصحابه: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريضة)، وأدركتهم صلاة العصر في الطريق فاختلف الصحابة، فمنهم من صلاها عملا بالنص القرآني ﴿...إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا(103) النساء، ومنهم من امتنع عن أدائها عملا بظاهر القول.

وأقر الرسول صلى الله عليه وسلم كلا العملين ولم يعنف أحدا، ومن هنا استنبط العلماء قاعدة: [جواز تعدد الصواب]

د- اختلاف مدارك الناس في فهم النصوص: روى أبو سعيد الخدري قال: [خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك)، وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين)] رواه أبو داود والنسائي.

2. ثبوت الحديث أو عدمه

لم ينفرد صحابي واحد بعلم النبوة كاملا، فكل واحد أخذ منه قسطا، وقد تفرق الصحابة في الأمصار، وفي صدورهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك اختلف العلماء بسبب ثبوت الحديث من عدمه حسب الطرق المعتمدة فإذا صح حديث معين استنبط منه الفقيه حكما شرعيا قد يُعارض من فقيه آخر لعدم ثبوت الحديث لديه.

لذلك قال الإمام مالك لأبي جعفر المنصور حين أراد أن يحمل المسلمين على العمل بكتابه "الموطأ": [إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة].

قال الشافعي: [أي سماء تُظلني، وأي أرض تقلني، إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وقلت بغيره]، وقال أيضا: [كل مسألة تكلمت فيها بخلاف السنة فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي].

3. الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط:

اتفق العلماء في حجية القرآن الكريم والسنة النبوية والقياس والاجتهاد، لكن اختلفوا في حجية بعض المصادر والأصول الاجتهادية.

ومثال ذلك: اعتمد الإمام مالك على حجية عمل أهل المدينة دون غيره من الأئمة، فاستنبط أحكاما مخالفة لسائر الفقهاء.

كان الإمام الشافعي لا يأخذ بالإجماع السكوتي ولا بالإحسان فقال: [لا ينسب إلى ساكت قول]، [من استحسن فقد شرع].

4. الاختلاف الناتج عن تباين الظروف (اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان)

- عقد ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين فصلا في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: [هذا فصل عظيم جدًا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم وأن الشريعة الباهرة التي في أعلى رُتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد…].

- مرّ ابن تيمية على قوم من التتار سكارى، فأنكر عليهم البعض، ولم ينكر الشيخ عليهم لعمق فقهه فقال: [دعوهم في سكرهم وشربهم، فإنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم عن سفك الدماء ونهب الأموال].

- اقتنى ابن أبي يزيد القيرواني كلبا للحراسة مخالفا ما أثر عن مالك من كراهية ذلك، فلما لامه الناس على مخالفته لإمام المذهب قال: [لو كان الإمام مالك في زماننا لاتخذ أسدا ضاريا].

 

ثانيا: آدابه وقواعده (الفكرية والأخلاقية)

 

1. إدراك أسباب الاختلاف بين العلماء:

قال عمر بن عبد العزيز: [ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن لنا رخصة]، واختلافهم في الفروع لا في الأصول.

قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة بمكة المكرمة صفر 1408/أكتوبر 1987م حينما نظر في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب ما يلي: الاختلاف الفقهي في بعض المسائل حكمة بالغة ورحمة بالأمة.

2. إتباع منهج الوسط والاعتدال:

- عن ابن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هلك المتنطعون) رواه مسلم، يفيد هذا الحديث معنى الإخبار، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم صدق، مما يؤكد مآل التعصب والتنطع وهو الهلاك، كما يفيد معنى الدعاء ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد.

- اتفق العلماء على تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6) الفاتحة، بأنه الطريق الوسط، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...(143) البقرة.

3. عدم الإنكار في المسائل الخلافية:

لا يجوز القطع في مسائل الخلاف، ومثال ذلك:

- مسألة قصر الصلاة: يرى أبو حنيفة أنها عزيمة ويفضل القصر، أما غيره من الفقهاء مثل الإمام مالك والشافعي وأحمد يرون أنها رخصة.

- مسألة طلاق الفار (المريض مرض الموت): يرى أبو حنيفة أن الزوجة المطلقة ترث مادامت في عدتها، أما أحمد فيرى أنها ترث ما لم تتزوج بآخر، أما مالك يورثها ولو تزوجت بآخر، عملا بالقاعدة الفقهية: "من استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه"، أو "من استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بعكس مقصوده".

4. التعاون على المتفق عليه والتسامح في المختلف فيه: وهي قاعدة المنار التي صاغها الشيخ محمد رشيد رضا.

¨    المسائل المتفق عليها، وهي كثيرة، منها:

- وحدانية الله.

- أركان الإسلام الخمسة.

- قواعد الحلال والحرام.

- الأخلاق...

¨    المسائل المختلف فيها التي لها ما يبررها شرعا، منها:

- رفع اليدين عند الدعاء.

- القبض والسدل.

- رفع اليدين عند الركوع أو الرفع منه.

- الجهر بالبسملة أو الإسرار بها أو عدم قراءتها في الصلاة.

5. ضبط المفاهيم والمصطلحات

لذلك يحرص العلماء السابقون على تحرير موضع النزاع في الخلافات الواقعة في المصطلحات المختلفة، مثال ذلك:

¨     مصطلح الإيمان:

إذا ورد في النصوص الشرعية يحتمل صحة الإيمان وكماله، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) متفق عليه عن أبي هريرة، وقال أيضا: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه عن أبي هريرة.

فلا يعني نفي أصل الإيمان بل كماله، وليس كافرا كفرا مخرجا من الملة.

¨     مصطلح الشرك:

         أ- الأكبر (مطلق، حقيقي، أصلي): أن يجعل مع الله إلها آخر.

        ب- الأصغر: يطلق على بعض المعاصي التي تنافي كمال التوحيد، قال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك) رواه أحمد، وقال: (من علق تميمة فقد أشرك) رواه أحمد.

¨     مصطلح الكفر:

        أ- الأكبر (الأصلي): الكفر بالله وبالنبوة وهو الكفر المخرج من الملة.

        ب- الأصغر: كفر النعم، قال صلى الله عليه وسلم: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه مسلم عن جابر عن عبد الله.

¨     مصطلح النفاق:

         أ- الأكبر (نفاق العقيدة): إظهار الإيمان باللسان وإخفاء الكفر، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145) النساء.

         ب- الأصغر (نفاق السلوك): وهو المقصود في قوله صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان) متفق عليه عن أبي هريرة.

6. الكف عمن قال: "لا إله إلا الله"

فمن تلفظ بالشهادتين جرت عليه أحكام الإسلام وعصم دمه، ولا يجوز تكفيره.

- حديث ابن عمر مرفوعا: (إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر! فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه) رواه مالك والبخاري ومسلم.

- قتل أسامة بن زيد رجلا في معركة بعدما قال: "لا إله إلا الله" فأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقبل دعواه أنه قالها تعوذا من سيفه، فقال صلى الله عليه وسلم: (هلا شققت عن قلبه)، فنحن نأخذ بالظواهر والله يتولى السرائر، قال ابن تيمية: [ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تـنازع فيها أهل القبلة].

8. الإخلاص لله: في كل قول أو عمل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163) الأنعام.

9. التحرر من التعصب: سواء للجماعات وللمذاهب وللأحزاب والأشخاص.

10. تجنب التجريح، وإحسان الظن بالمخالفين وحمل الكلام على المحمل الحسن: خاصة تجاه العلماء فهم ورثة الأنبياء، ولحومهم مسمومة.

قال تعالى: ﴿...اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...(12) الحجرات.

11. التزام الحوار بالحسنى مع المخالفين: والعمل بقوله تعالى: ﴿...وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن...(125) النحل.

¨          نماذج لأدب الاختلاف بين العلماء:

- كان الشافعي يقول بدعاء القنوت في الفجر ويجهر به، لكن أبو حنيفة لا يقول به، وصلى مرة بجوار قبر أبي حنيفة فلم يقنت تأدبا مع صاحب القبر.

- يرى الإمام أحمد أن الرعاف ينقض الوضوء، أما الإمام مالك وسعيد بن المسيب يريان خلاف ذلك، وكان أحمد يصلي خلفهما.

- تتلمذ الشافعي على مالك وخالفه في بعض المسائل ولكنه يقدره تمام التقدير وهو يقول: [إذا ذكر العلماء فمالك النجم].

عودة