فقه الشريعة

 

 

علم مقاصد الشريعة الإسلامية

تمهيد: بيان أهمية علم المقاصد

ازداد الاهتمام بهذا العلم تأليفا وتدريسا وتوعية.

وهو علم ضروري لاستنباط الأحكام، والإفتاء والقضاء والتوجيه والإرشاد.

 

أولا: التعريف بهذا العلم

مركب إضافي "مقاصد الشريعة".

أ- لغة:

المقاصد:

جمع مَقصَد، مصدر ميمي مأخوذ من الفعل قَصَدَ.

قَصَدَ يقصدُ قَصْداً و مَقْصَداً

قَصْدٌ أو مَقْصَدٌ معنى واحد.

من معانيه:

1- التوسط: عدم الإفراط والتفريط.

- قال الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ...(19) لقمان.

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:(القَصْدَ القَصْدَ تَََََََََََََََبْلُغوا) أخرجه البخاري.

- قال جابر: [كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكانت صلاتُه قَصْداً وخطبتُه قَصْدًا] أي وسطاً بين الطويلة والقصيرة، أخرجه مسلم.

2- استقامة الطريق: قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَآئِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(9) النحل.

طريق قاصد: سَهْلٌ مستقيم.

الشريعة:

لغة: الشرع والشرعة معنى واحد تطلق على:

- مورد الماء (مصدره، منبعه).

- الطريقة المستقيمة.

- المنهاج.

الماء مصدر حياة الإنسان وسائر المخلوقات و الشرع مصدر حياة التقوى وصلاحها.

اصطلاحا: ما شرعه الله لعباده من الأحكام عن طريق أنبيائه.

قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(18) الجاثية.

ب- اصطلاحا:

نجد في كتب العلماء المتأخرين تعريفات منها:

1- الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: [هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها...].

2- الشيخ علال الفاسي: [المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها].

يقوم النظر المقاصدي على الموازنة بين ظاهر النصوص ومقصودها (بين المباني والمعاني) وفقا لميزان الشرع.

مثال: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.

 

ثانيا: أصل علم المقاصد

مَرَّ بعدة مراحل إلى أن وصل إلى مرحلة التدوين، والقواعد المقاصدية مقررة في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.

أ - في القرآن:

قال الله تعالى:

1- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) الذاريات.

2- ﴿...يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...(185) البقرة.  

3- ﴿يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ...(28) النساء.

4- ﴿...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج...(78) الحج.

5- ﴿...إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ(45) العنكبوت.

6- ﴿...كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) البقرة.

7- ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا(103)… التوبة.

8- ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ...(28) الحج.

ب- في السنة:

1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) أخرجه البخاري.

2- (إنما جُعل الاستئذان من أجل البصر) البخاري.

3- (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرْج) البخاري.

4- منع الجمع بين المرأة وأختها أو عمتها أو خالتها (إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) الطبراني.

ج- الإجماع:

الاتفاق على أن علة الصغر موجبة للولاية على النفس والمال معاً.

 

ثالثاً: إثبات مقاصد الشريعة

أ- إثباتها بالأدلة النقلية:

ثبت ذلك باستقراء نصوص الكتاب والسنة.

معنى الاستقراء:

لغة: التتبع.

اصطلاحاً: "تصفح الجزئيات لإثبات حكم كلي"، وهو طريقة لمعرفة مقاصد الشريعة.

- قال البيضاوي في كتابه "المنهاج"  [إن الاستقراء دل على أن الله سبحانه وتعالى شرع أحكامه لمصالح العباد...]

- قال العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام": [لو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسنة لَعَلمْنَا أن الله أمر بكل خير... وزجر عن كل شر... فإن الخير يُعبر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يُعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح].

- ثبتت نقلا بطرق عديدة منها:

الأولى: إخبار الله في القرآن الكريم بأنه "حكيم" في مواضع كثيرة مثل ﴿...إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(30) الإنسان، وهذا يقتضي أن تكون أحكامه محققة لمقاصد، فالحكيم هو الذي يضع الأشياء في مواضعها الحقيقية (المناسبة).

- قال ابن القيم في "شفاء العليل": [لا يكون الكلام حكمةً حتى يكون موصلاً إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة، فيكون مرشداً إلى العلم النافع والعمل الصالح فتحصل الغايةُ المطلوبة...].

الثانية: إخبار الله عن نفسه أنه أرحم الراحمين مثل: ﴿...رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ(109) المؤمنون.

﴿...وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء...(156) الأعراف.

ولا يتحقق ذلك إلا بأنه يقصد رحمة خلقه: أمراً ونهياً.

الثالثة: إخباره عن أهمية القرآن وعظمته ومقصود إنزاله، ورعايته لمصالح المكلفين.

 قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(57) يونس.

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ...(82) الإسراء.

﴿إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ...(9) الإسراء.

الرابعة: إخباره عز وجل أنه أمر بأمر من أجل أمر معين:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا(143)… البقرة.

الخامسة: جاءت في القرآن نصوص عامة تشمل تحقيق جميع المصالح مثل: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90) النحل، قال ابن مسعود: [هذه أَجْمَعُ آية في القرآن لخَيْر يُمْتَثَلُ وشَرّ يُجْتَنَبُ]

ب- إثباتها بالأدلة العقلية:

الدليل الأول: لا يمكن تعطيل الحكمة والمقصد من الأحكام لأن ذلك دلالة على العجز والله صاحب القدرة المطلقة.

الدليل الثاني: تكريم الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...(70) الإسراء، ومن لوازم ذلك رعاية مصالحه.

الدليل الثالث: تؤكد العقول السليمة أن كل شيء خُلق لحكمة.

الدليل الرابع: لا يرضى إنسان يضع - نظاماً- أن يقال له أنك وضعت نظاماً بلا هدف أو غاية، فكيف نرضى ذلك لله في أحكامه ونظامه؟ فالإسلام منهاج حياة.

رابعا: أقسام مقاصد الشريعة

أ- أقسامها باعتبار المصالح التي جاءت بتقريرها وحفظها

1- الضروريات

2- الحاجيات

3- التحسينيات

-1- الضروريات (الكليات)

أولاً: تعريفها

هي المصالح الأساسية (الجوهرية) التي تقوم عليها حياة الناس، ويؤدي تخلفها إلى اختلال نظام الحياة، وحصول الفوضى والفساد في دنيا الناس.

- عرفها الإمام الشاطبي في الموافقات بأنها: [ما لا بدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين] (جزء2/ص7).

وتتمثل هذه المصالح في: الدين، النفس، النسل، العقل والمال.

- قال الشاطبي في الموافقات ج1:

[قد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وُضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال والعقل...]

ثانيا: أنواعها

1- مقصد حفظ الدين:

وهو أرقى كلية وأكبر مقصد، لأن التدين يستجيب لفطرة الإنسان.

والدين الحق هو الإسلام لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ...(19) آل عمران.

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85) آل عمران.

لذلك يجب المحافظة عليه لأن ضياعه يؤدي إلى ضياع المقاصد الأخرى وخراب الدنيا، ويتحقق الحفظ مجملا عند الشاطبي: [بأمرين أحدهما: ما يقيم أركانها ويُثَبّتُ قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم] الموافقات (الجزء2/ص7).

أ- المحافظة على الدين وجوداً: ويتم ذلك عن طريق:

1- العمل به: أداء واجباته العينية مثل: الصلاة، والصيام... وواجباته الكفائية مثل: تحصيل العلوم التي تحتاج إليها الأمة، صلاة الجنازة...

2- الحكم به: وذلك بتحكيمه في جميع مناحي الحياة، فلا يُعزل عن قيادتها كما تدعو العلمانية.

3- الدعوة إليه: بنشره وبيان أحكامه، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ