فقه الشريعة

 


مدخل عام إلى فقه الشريعة الإسلامية
 

أولا: حاجة البشر إلى تشريع سماوي

لقد كان الإنسان عاجزا عن إدراك وجه المصلحة في جميع أموره،  ولما كان الاختلاف قائما بين البشر وذلك لاختلاف مداركهم و تباين أفها مهم نظرا لذلك كله اقتضت حكمة الله إنزال الشرائع لتبصير الناس بمصالحهم،  و لتحديد علاقاتهم بخالقهم، ولتكون الحاكمة لأمورهم.

وإذا كانت حاجة البشر إلى الشرائع السماوية ماسة، فإن حاجتهم إلى الشريعة الإسلامية أكثر، لكونها عالمية تخاطب جميع الناس في زمان و مكان و لما تمتاز به من سمات الكمال و السمو و الشمولية، وغيرها التي سنشرحها لاحقا.
 

ثانيا:  الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي:

بالنظر إلى خصائص الشريعة الإسلامية وأسس التشريع الإسلامي المذكورة آنفا يتجلى لنا البعد القائم بين التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، ويمكن إبراز ذلك فيما يأتي:

أولا: من حيث المصدر: إن التشريع الإسلامي مصدره الأساسي الوحي (القرآن و السنة)، إضافة إلى المصادر الأخرى التي لا تخرج عن إطاره، بينما القانون الوضعي مصدره الإنسان، ومهما كان هذا الإنسان فإنه لا يستطيع أن يتخلص من خصائصه المتمثلة في الضعف والهوى وعدم الكمال وغيرها، تلك التي نجدها في أي قانون وضعي صادر عنه مهما ارتقى وعلا.

ثانيا: من حيث ارتباطها بالأخلاق: ارتبط التشريع الإسلامي بالأخلاق بشكل واضح، وذلك يبدو في تقريره لجملة من المبادئ، منها مبدأ ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة عند التعارض و تقريره لحق الجوار، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ...(36)  النساء.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وقال أيضا: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فيكرم جاره).

والأمر نفسه في تشريع الزكاة، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا...(103)  التوبة.

وتلك المعاني الأخلاقية لا وجود لها في القانون الوضعي.

ثالثا: من حيث الجزاء: إن التشريع الإسلامي يجعل من الجزاء ( عقابا وثوابا ) على أفعال الإنسان في الدنيا والآخرة، في لدنيا على أعمال الجوارح، وفي الآخرة على أعمال القلوب، من أجل ذلك يحس المسلم بوازع يدعوه إلى تطبيق أحكام الشريعة، في حين نجد القانون الوضعي يجعل العقاب والثواب الدنيا فقط دون الآخرة.

 

ثالثا: شهادات بعض العلماء والمؤتمرات على صلاحية الشريعة الإسلامية وعظمتها:

أجمعت مقولات بعض العلماء الغربيين المنصفين، وكذا تقارير بعض المؤتمرات الدولية على عظمة الشريعة الإسلامية وكمالها.

-1- شهادات بعض العلماء:

- قال الدكتور أيزكو أنساباتو: (إن الشريعة الإسلامية تفوق في كثير من بحوثها الشرائع الأوروبية، بل هي التي تعطي للعالم أرسخ الشرائع ثباتا).

- قال الأستاذ شبرل عميد كلية الحقوق بجامعة فيينا في مؤتمر الحقوق سنة 1927م: (إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها إذ رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة).

- قال الأستاذ دافيد: (فالشريعة الإسلامية لا تزال تعد من الأنظمة الفقهية العظيمة في العالم الحديث).

-2- شهادات بعض المؤتمرات:

- المؤتمر الدولي للقانون المقارن الذي انعقد بلاهاي عام 1937م، وقد قرر ما يلي:

¨   اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع العام.

¨   أنها حية قابلة للتطور.

¨   أنها شرع قائم بذاته ليس مأخوذ عن غيره.

- مؤتمر المحامين الدولي المنعقد بلاهاي عام 1948م، ومما قرره ما يلي: (نظرا لما في التشريع الإسلامي من مرونة، وما له من شأن هام، يجب على جمعية المحامين الدولية أن تتبنى الدراسة المقارنة لهذا التشريع وتشجع عليها ).

- ملتقى بكلية الحقوق بباريس حمل اسم "أسبوع الشريعة الإسلامية" وقد انعقد فيما بين 2 و7 جويلية عام 1951م، ومما جاء في القرار الذي وافق عليه الملتقى ما يلي: (قد تبين بجلاء أن مبادئ الشريعة الإسلامية ذات قيمة تشريعية لا يمارى فيها، وأن اختلاف المذاهب الفقهية داخل هذا النظام الفقهي العظيم إنما ينطوي على ثروة فقهية، وعلى أساليب فنية عظيمة).

عودة