فقه الشريعة

 

 

مصادر التشريع الإسلامي

 

- أ -  المصادر المتفق عليها

أولا: القرآن الكريم

1- تعريفه:

( هو كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب بالمصاحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس ).

2- حجيته:

اتفق جميع المسلمين على حجية القرآن الكريم، ووجوب العمل بمقتضى كل حكم ورد فيه، ويعد المرجع الأول الذي يعود إليه المجتهد لمعرفة حكم الله، ولا ينتقل إلى غيره من المصادر إلا عند عدم وجود الحكم المبتغى فيه.

3- بعض وجوه إعجازه:

اقتضت حكمة الله عز و جل أن يؤيد أنبياءه ورسله بالمعجزات للدلالة على أنه مرسلهم ومكلفهم بتبليغ دينه، وقد خص الله الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم بأعظم معجزة تمثلت في " القرآن الكريم ".

وليس سهلا أن أتناول جميع وجوه الإعجاز في القرآن، لذلك أكتفي بذكر بعضها اختصارا على الوجه الآتي:

أ. فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته:

وقد بلغ القرآن في ذلك أعلى المستويات، وبذلك شهد علماء اللغة وأئمة البيان، وقد تحدى الله العرب وهم عمالقة الفصاحة والبلاغة بالإتيان بمثل القرآن فعجزوا، ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور فلم يقدروا، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورة فعجزوا، قال تعالى: " قل لئن اجتمعت الإنس و الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " الإسراء، 88، "...قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين " هود، 13، "...قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين " يونس، 38، ثم يؤكد عجز البشر عن الإتيان بسورة واحدة - حاضرا ومستقبلا - فقال: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين " البقرة، 23- 24.

ب. الإخبار عن المغيبات:

- إخبار الله تعالى عن انتصار الروم على الفرس قبل وقوع الحرب: " ألم. غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. لله الأمر من قبل و من بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم " الروم، 1- 5.

- إخبار الله عن فتح مكة: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعملوا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا " الفتح، 27.

- الإخبار بواقعات وحوادث وقعت سابقا، نجد لها أثرا في الصحيح من الكتب السماوية، كما قص القرآن أخبار الأنبياء مع أقوامهم، قال تعالى: " تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلم أنت ولا قومك من قبل فاصبر إن العاقبة للمتقين " هود، 49.

ج. اشتماله على الأحكام الشرعية المختلفة المتعلقة بالعقيدة والعبادة و الأخلاق والمعاملات.

د. بقاؤه وخلوده، مصداقا لقوله تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" الحجر، 9. 

ﻫ. الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: إن القرآن الكريم كتاب هداية وتشريع، ولكن هذا لا يمنع من وجود إشارات إلى حقائق علمية أكدها العلم الحديث، من ذلك مثلا في قوله تعالى: " أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما و جعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " الأنبياء، 30، وفي هذه إشارة إلى أن الأرض كانت جزءا من المجموعة الشمسية، ثم انفصلت عنها لتكون صالحة لاستقبال الإنسان على ظهرها، و قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " الأنعام، 125، ففي هذه الآية إشارة إلى شعور الإنسان بنقص الأكسجين كلما ارتقى في أجواء السماء، و قوله تعالى: " ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " الذاريات، 49، وقوله: " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون " يس، 36، إشارة إلى انبثاث الزوجية في كل شيء، وقوله تعالى: " أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوي بنانه " القيامة، 3- 4، إشارة إلى اختلاف بصمات البشر.

4- حكمة نزول القرآن منجما:

اقتضت حكمة الله عز وجل أن ينزل القرآن مفرقا مستغرقا مدة الرسالة كلها، وذلك لحكم يمكن تلخيصها فيما يلي:

أ. تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم: ويتجلى ذلك في قوله تعالى: " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا " الفرقان، 32، وحينما تنزل الآيات على النبي صلى الله عليه وسلم يقوى صبره، وتشحذ همته، كيف لا والله يخاطبه بمثل هذه الآيات: " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل..." الأحقاف، 35 ، " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا..." الطور، 48، " وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك... " هود، 120، " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا..." الأنعام، 34.

ب. التلطف بالنبي صلى الله عليه وسلم عند نزول القرآن: إن للقرآن هيبة وجلالا ووقارا، وذلك يستدعي التلطف بالنبي صلى الله عليه و سلم فأنزله الله منجما، يقول تعالى: " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " المزمل، 5، " ولو أنزلنا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله... " الحشر، 21.

فإذا كان ذلك حال الجبل لو أنزل عليه القرآن، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أرق الناس قلبا، وأكثرهم تقديرا لكلام الله ؟

وتصف أم المؤمنين عائشة حال الرسول صلى الله عليه وسلم حين يتنزل عليه القرآن بقولها: ( لقد رأيته حين ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ).

ج. تقريع الكفار باستمرار، وتجديد تذكيرهم بانحرافهم عن الطريق المستقيم، وفي المقابل، يثبت الله المؤمنين ويواسيهم، ويفرغ عليهم صبرا ويقينا.

د. التدرج في تربية المجتمع الإسلامي، وذلك بتبديد الرذائل، وزرع الفضائل، وذلك بآيات التخلية وآيات التحلية.

ﻫ. تيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه للمسلمين، وذلك كونهم أميين " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم و يعلمهم الكتاب والحكمة... " الجمعة، 2.

و. التدرج في تشريع الأحكام، ومثال ذلك الخمر الذي تم وفق تدرج حكيم حسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون سكرا ورزقا حسنا..." النحل، 67.

المرحلة الثانية: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما..." البقرة، 219.

 المرحلة الثالثة: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون..." النساء، 43.

المرحلة الرابعة: وهي مرحلة التحريم القطعي: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون " المائدة، 90- 91.

5- أنواع الأحكام التي اشتمل عليها القرآن الكريم:

اشتمل القرآن الكريم على جميع الأحكام التي تخص الإنسان، و يمكن تصنيفها في الأنواع التالية:

أ. الأحكام الاعتقادية: و هي الأحكام المتعلقة بالعقيدة، ومن الآيات التي تنص على تلك الأحكام ما يأتي:

" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله... " البقرة، 285.

" ألم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم " آل عمران، 1- 2.

"...ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " الشورى، 11.

" هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم " الحشر، 23- 24.

" قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفؤا أحد " الإخلاص.

ب. الأحكام الأخلاقية: و هي الأحكام المتعلقة بأمهات الفضائل، و من الآيات التي تنص على تلك الأحكام ما يلي:

" وإنك لعلى خلق عظيم " القلم، 4.

" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " التوبة، 119.

"...و لئن صبرتم لهو خير للصابرين " النحل، 126.

"...و الكاظمين الغيظ والعافين على الناس والله يحب المحسنين " آل عمران، 134.

"... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة..." الحشر، 9.

ج. الأحكام العملية: وتنقسم إلى قسمين:

1. عبادات.

2. معاملات.

ومن الآيات التي تنص على تلك الأحكام ما يلي:

" وأقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و اركعوا مع الراكعين " البقرة، 43.

" يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " البقرة، 183.

"...ولله حج البيت من استطاع إليه سبيلا..." آل عمران، 97.

" للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون مما قل أو كثر نصيبا مفروضا " النساء، 7.

" الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان..." البقرة: 229.

"... وأحل الله البيع وحرم الربا..." البقرة، من الآية 275.

" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..." البقرة، 282.

" ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب..." البقرة، 179.

6- بيان القرآن للأحكام

جاء بيان القرآن للأحكام على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: بيان كلي أي بذكر القواعد والمبادئ العامة التي تكون أساسا لتفريع الأحكام وابتنائها عليها، مثل:

 أ. الأمر بالشورى: قال تعالى: "... وشاورهم في الأمر..." آل عمران، 159، وقال أيضا: "...وأمرهم شورى بينهم..." الشورى، 38.

ب. الأمر بالعدل والحكم به: قال الله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل..." النحل، 90.

و قال أيضا: "... و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..." النساء، 58.

ج. لا يسأل الإنسان عن ذنب غيره: " ولا تزر وازرة وزر أخرى..." فاطر، 18.

د. العقوبة بقدر الجريمة: " و جزاء سيئة سيئة مثلها..." الشورى، .40

ﻫ. حرمة مال الغير: " و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل..." البقرة، 188.

و. الوفاء بالالتزامات، " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود..." المائدة، 1.

ز. لا حرج و لا ضيق في الدين، " و ما جعل عليكم في الدين من حرج..." الحج، 78.

النوع الثاني: بيان إجمالي، أي ذكر الأحكام بصورة مجملة تحتاج إلى بيان و تفصيل، و من هذه الأحكام:

أ. وجوب الصلاة والزكاة، قال تعالى: "... فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة..." الحج، 78.

ولم يبين القرآن عدد ركعات الصلاة وكيفيتها، فجاءت السنة بتفصيل ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) مسلم، وكذلك جاءت السنة ببيان أحكام الزكاة، وتحديد مقاديرها وأنصبتها.

ب. وجوب الحج: "...ولله على الناس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا..." آل عمران، 97، فجاءت السنة بتفصيل وبيان الحج وأركانه، قال عليه الصلاة والسلام: (خذوا عني مناسككم ) مسلم.

ج. وجوب القصاص: "...كتب عليكم القصاص..." البقرة، 178، فجاءت السنة ببيان شروط القصاص.

د. حل البيع وحرمة الربا: "...وأحل الله البيع و حرم الربا..." البقرة، 275، فجاءت السنة ببيان البيع الحلال والبيع الحرام والمقصود بالربا.

النوع الثالث: بيان تفصيلي: أي ذكر الأحكام بصورة تفصيلية لا إجمال فيها، مثل: أنصبة الورثة، وكيفية الطلاق وعدده، وكيفية اللعان بين الزوجين، والمحرمات من النساء في النكاح.

أ. لغة: الطريقة المعتادة، حسنة كانت أو سيئة، ومنه قوله تعالى: " سنة من أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا " الإسراء، 77، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من سن في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) مسلم وغيره.

7- دلالة القرآن على الأحكام:

إن آيات القرآن الكريم ثابتة بطريق قطعي، لأنها نقلت إلينا بالتواتر الذي يوحي بالجزم أن الآية التي يقرؤها كل مسلم في بقاع الأرض هي نفسها التي تلاها الرسول صلى الله عليه و سلم على أصحابه، و هي التي نزل بها جبريل عليه السلام من اللوح المحفوظ من غير تبديل و لا تغيير، تحقيقا لقوله تعالى: " إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون " الحجر، 9.

أما دلالة النص القرآني على الحكم فليست واحدة، فمنها ما هو قطعي الدلالة و منها ما هو ظني الدلالة. فالنص القطعي الدلالة هو ما دل معنى متعين فهمه منه، و لا يحتمل تأويلا آخر معه، و ذلك مثل النصوص التي وردت فيها أعداد معينة أو أنصبة محددة في المواريث و الحدود، قال تعالى: " و لكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد..." النساء، 12، فإن دلالة النص قطعية على أن فرض الزوج النصف، و قال تعالى: " الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة..." النور، 2، فالآية قطعية الدلالة في مقدار حد الزنا، و قال تعالى في كفارة اليمين: "...فصيام ثلاثة أيام..." المائدة، 89، فالعدد قطعي الدلالة، ولا تقبل الكفارة بأقل من ذلك ولا بأكثر منه.

أما النص الظني الدلالة فهو ما يدل على عدة معان، أو ما يدل على معنى، و لكنه يحتمل معاني أخرى، مثل لفظة "القرء" في قوله تعالى: " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء..." البقرة، 228.

فلفظ القرء في اللغة مشترك بين معنيين: الطهر والحيض، والنص القرآني يحتمل أن يراد منه ثلاثة أطهار كما قال الشافعي وغيره، ويحتمل أن يراد منه ثلاث حيضات كما قال الإمام أبو حنيفة ومن معه.

 

ثانيا: السنة النبوية

 

1- تعريف السنة:

ب. اصطلاحا: يراد بالسنة ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.

2- حجيتها:

اتفق العلماء على أن السنة الصحيحة الثابتة التي صدرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصد التشريع والإقتداء حجة على المسلمين، ومصدر تشريعي لهم متى ثبتت بطريق القطع أو غلبة الظن.

أ. أدلة من القرآن على حجية السنة:

"... وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم..." النحل، 44.

"... وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون " النور، 56.

" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ويغفر لكم...." آل عمران، 31.

" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..." النساء، 59.

" يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، ولا تتولوا عنه وأنتم تسمعون " الأنفال، 20.

" من يطع الرسول فقد أطاع الله..." النساء، 80.

"...فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر..." النساء، 59.

"... وما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا " الحشر، 7.

" و ما كان لمؤمن و لا لمؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " الأحزاب، 36.

" فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا حرجا في أنفسهم مما قضيت و يسلموا تسليما " النساء، 65.

" و ما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله " النساء، 64

" لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر..." الأحزاب، 21.

هذه النصوص القرآنية - وغيرها كثير- برهان ودليل قاطع على حجية السنة، واعتبارها مصدرا من مصادر التشريع الإسلامي، وأن أحكام السنة تشريع إلهي واجب الإتباع.

ب. أدلة من السنة على حجية السنة:

( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله و سنتي ).

( ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ).

( روى معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما بعثه إلى اليمن، قال له:  كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال: أجتهد رأيي لا ألو، قال معاذ: فضرب رسول الله صدري، ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي الله ورسوله ).

ج. إجماع الصحابة:

أجمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته على وجوب إتباع سنته والعمل بها، والالتزام بما ورد فيها من أحكام، وتنفيذ ما فيها من أوامر، والانتهاء عما فيها من نواه.

3- مرتبة السنة في الاحتجاج بها:

تأتي السنة النبوية - في الاحتجاج بها - في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم، فالمفتي والمجتهد يرجع إلى الكتاب أولا ثم إلى السنة ثانيا في كل ما يطرح من سؤال أو يقع من قضية.

4- تدوين السنة:

من الثابت المعلوم أن السنة لم تكتب في عهد الرسول عليه السلام كما كتب القرآن، لأن الرسول نهاهم عن كتابتها خوف اختلاطها بالقرآن، وتوفي عليه السلام وهي محفوظة في صدور الصحابة كل على مقدار استعداده ومبلغ حضوره مجالس الرسول عليه السلام، وفي خلافة أبي بكر رضي الله عنه لم يفكر أحد في تدوينها للسبب السابق، ولقصر خلافة الصديق، فلما وليها عمر رضي الله عنه عرضت له فكرة التدوين، فشاور الصحابة فيها، فأشاروا عليه بجمعها، ولكنه مكث شهرا يستخير الله حتى انتهى إلى العدول عن هذا الأمر لأسباب منها:

أنه وجد هذا العمل يصعب تنفيذه، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي تاركا سنته موزعة في صدور أصحابه وهم كثيرون تفرقوا في البلدان، كما كان يخشى اختلاطها بالقرآن وانشغال الناس بها عنه، ثم عرضت الفكرة للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في أواخر حياته، ففي عام 100ﻫ أمر أبا بكر بن حزم قاضي المدينة أن يجمع السنة فامتثل، و لكن الخليفة توفي بعد عام في سنة 101ﻫ، والعام الواحد لا يكفي لتحقيق هذا الطلب حينذاك، ولم يعن من جاء بعده من خلفاء بني أمية بهذا الأمر لانشغالهم بالسياسة وإدارة الحكم، إذا استثنينا ما روي عن هشام بن عبد الملك أنه لما تولى الحكم سنة 105ﻫ حث ابن شهاب الزهري على تدوين الحديث بل قيل أنه أكرهه على ذلك، وتوفي هشام سنة 125ﻫ.

وفي عهد العباسيين جمعت السنة، وابتدأ تدوينها في منتصف القرن الثاني الهجري تقريبا في مكة والمدينة والشام ومصر والكوفة والبصرة، وكل بلد إسلامي وجد به علماء دونوا السنة، أمثال الإمام مالك بالمدينة، والإمام الأوزاعي بالشام، والإمام الليث بن سعد في مصر، وسفيان الثوري في الكوفة، إلا أن هذه المجموعات لم يصلنا منها إلا القليل، مثل: كتاب " الموطأ " للإمام مالك بن أنس، وهو يعطينا صورة عن الكتب التي ألفت في السنة حينذاك، وهي أنها كانت خليطا من الأحاديث و أقوال الصحابة و فتاواهم، و لم يعن أصحابها بالسنة عناية من جاء بعدهم ممن تخصص في جمع الأحاديث وترتيبها.

تلك هي الخطوة الأولى في جمع السنة ثم تلتها الخطوة الثانية، وفيها عني أصحابها بإفراد أحاديث رسول الله عن فتاوى الصحابة وأقوال التابعين، و كانت هذه الخطوة على رأس المائتين للهجرة، و لكنها ابتدأت بطريقة المسانيد، وهي جمع أحاديث كل صحابي على حدا في جميع الأبواب، وهذه وإن كانت جردت الأحاديث من غيرها إلا أنها لم تفرد الصحيح من غيره.

وفي القرن الثالث ظهرت طريقة جديدة، وهي تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، والبحث عن الرواة، فكان هذا أزهى عصور الحديث، وفيه ألف البخاري المتوفى سنة 256ﻫ، ومسلم بن الحجاج المتوفى سنة 261ﻫ صحيحيهما، وأبو داود المتوفى سنة 275ﻫ، وابن ماجة المتوفى سنة 275ﻫ، والنسائي المتوفى سنة 303 سننهم، وكتب هؤلاء هي المعروفة بالكتب الستة، ويلحق بها مسند الإمام أحمد المتوفى سنة 241ﻫ.

5- أقسام السنة:

أ. من حيث ماهيتها تنقسم إلى ما يلي: 

1. سنة قولية: وهي ما نقل عن الرسول صلى الله عليه و سلم من قول على سبيل التشريع، مثل ( لا ضرر ولا ضرار ).

( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ).

2. سنة فعلية: و هي كل ما فعله الرسول صلى الله عليه و سلم على سبيل التشريع، مثل كيفية أدائه الصلاة، و أدائه مناسك الحج.

3. سنة تقريرية: هي استحسان النبي صلى الله عليه و سلم أو سكوته عن إنكار قول أو فعل صدر عن الصحابة.

ب. من حيث سندها:  وانقسم العلماء في ذلك إلى قسمين:

الأول: يمثله علماء الحديث وجمهور علماء الأصو