محاضرات

 


القرآن الكريم والسلام
 

إن الناظر في القرآن الكريم يجد أن الله يدعو عباده إلى السلام في دار الدنيا، ويعد المؤمنين العاملين للصالحات بالسلام في دار البقاء، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ البقرة 208

﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ المائدة 16.

﴿وَإِن جَنَحُوا لسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الأنفال61.

﴿لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  الأنعام 127.

﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ الرعد 24.

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ الحجر 45 – 46.

﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يونس 10.

لذلك يعد السلام معلما بارزا في القرآن الكريم، وقد تكرر لفظ " السلام " في كثير من آياته، دلالة على قيمته الكبرى، وبيانا لضرورته الحيوية على مستوى: الإنسان والأسرة والمجتمع والبشرية.

 

أولا: على مستوى الإنسان

 

لقد أكد القرآن على ضرورة استجابة الإنسان لنداء فطرته التي تدعوه إلى الإيمان بالله الواحد، قال تعالى:

﴿...فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة 256.

﴿...رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ... آل عمران 139.

فإذا استجاب الإنسان لنداء فطرته يتحقق له السلام في نفسه وضميره وعقله، وبذلك تغمره مشاعر الاطمئنان، والسكينة، ولا مجال حينئذ للحيرة والقلق، لقوله تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ... الفتح 4.

﴿... فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... الفتح 26.

﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ... التوبة 26.

ومما يؤكد تلك المشاعر إدراك الإنسان لسر خلقه وغاية وجوده، إذ يبين القرآن ذلك في كثير من الآيات منها:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ... المؤمنون 115- 116.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الذاريات 56.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ ِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ الأنبياء 25.

ومما يثبت معاني السلام في الإنسان شعوره بمعية الله، فأرشده القرآن إلى أسباب تحقيقها في مثل قوله تعالى:

﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ النحل 128.

﴿...وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ العنكبوت 69.

﴿...إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ البقرة 153.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ البقرة 186.

 

ثانيا: على مستوى الأسرة

 

تعد الأسرة محضنا طبيعيا لتربية الأولاد تربية متكاملة توفر له عوامل الصلاح، وتحبب إليهم الفضيلة ومعاني الإخاء والسلام والمحبة.

لذلك حظيت في نصوص القرآن بعناية وافرة، ومن أبرز مظاهرها ما يأتي:

أ- بيان قدسية العلاقة الزوجية واعتبارها آية من آيات الله:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الروم 21.

ب- بيان قوامة الرجل الشورية لا الاستبدادية داخل الأسرة:

﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ  النساء 34.

ج- تقرير التوازن بين الواجبات والحقوق المشتركة، والتأكيد على حقوق الأولاد:

﴿...وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ البقرة 228.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ .... التحريم 6.

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ...  البقرة 233.

د- تقرير وسائل علاج المشكلات الزوجية عند وقوعها لإحلال السلام بين الزوجين.

﴿...وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلا.. النساء  34.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا النساء 35.

 

ثالثا: على مستوى المجتمع

 

لقد هيأ القرآن الكريم عوامل تكوين مجتمع متين الأساس قوي البنيان يسوده السلام والتعاون من خلال ما يلي:

أ- غرس معاني الأخوة بين أفراده، والصلح بينهم عند وقوع النزاع، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ... الحجرات 10.

﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ... النساء 114.

ب - إشاعة معاني التسامح والعفو، قال تعالى:

﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا النساء 149.

﴿...وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ النور 22.

﴿...فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ... الشورى، 40.

ج - إشاعة قيم التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، قال تعالى: