|
|
|
|
قانون الأسرة |
|
|
دراسة مقدمة لمجلة البصيرة للبحوث والدراسات الإنسانية
الاثـنيـن 22 رجـب 1420هـ الموافق لـ: 01 نوفمبر 1999م
مقدمة أولا: الأسرة في الإسلام ثانيا: الأسرة في المواثيق الدولية ثالثا: الأسرة في الدستور والقوانين الجزائرية رابعا: التشريعات الصادرة قبل صدور قانون الأسرة خامسا: قانون الأسرة في الميزان خاتمة
مقدمة ارتبطت أهمية قانون الأسرة بأهمية الأسرة التي ينظم الأحكام المتعلقة بها، إذ تشكل أساس بناء المجتمع، فيقوى ويتماسك بقوتها وتماسكها، ويضعف وينهار بضعفها وانهيارها. وقد شهد منذ صدوره[1] اختلافا في الرؤى: فهناك من يرى ضرورة الإبقاء عليه كما هو باعتباره مكسبا من المكاسب التي تدعم المنظومة القانونية الجزائرية، وكونه مستمدا من الشريعة الإسلامية، وهناك من يرى ضرورة الإسراع بإلغائه باعتباره قانونا تجاوزه الزمن[2]، وهناك من يرى ضرورة إثرائه وتعديل بعض مواده. وإذ أعتقد صحة هذا الرأي الأخير، أتناول بالدراسة أهم الإيجابيات التي احتواها هذا القانون لتثبيتها، وأهم السلبيات التي يجب أن يعالجها التعديل القادم.
أولا: الأسرة في الإسلام
لقد حظيت الأسرة في شريعة الإسلام بعناية وافرة تتناسب ودورها في المجتمع، ومن مظاهر تلك العناية ما يلي: - بيان قدسية العلاقة الزوجية واعتبارها آية من آيات الله، حيث قال الله تعالى: « وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ »[3] - بيان قوامة الرجل الشورية لا الاستبدادية داخل الأسرة، قال تعالى: « الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ...»[4].
- تقرير التوازن بين الواجبات والحقوق
المشتركة، والتأكيد على حقوق الأولاد، قال تعالى: وقال أيضا: « وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ... »[6]. « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ »[7]. - تقرير وسائل علاج المشكلات الزوجية عند وقوعها، قال تعالى:« ....وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلا...»[8]. وقال أيضا: « وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا»[9]. و قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك[10] مؤمنٌ مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر)[11]. - تنظيم أمر الطلاق والتأكيد على حقوق المطلقة عند حصوله، ومن النصوص الدالة على ذلك قوله تعالى: « وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا »[12] وقال أيضا: « الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ »[13]. وقال أيضا: « وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...»[14]. وقال أيضا: « لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ »[15]. وقال أيضا: « وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ »[16]. عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنه طلق زوجته وهي على حيض، فسأل عمر بن الخطاب – رسول الله صلى الله عليه وسلم – عن ذلك، فقال له رسول الله: (مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بَعْد ُوإن شاء طلق قبل أن يمس)[17]. وعن عائشة رضي الله عنها أن – رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)[18]. من خلال تلك النصوص الشرعية يتبين مدى حرص الإسلام على حماية الأسرة وحفظ كيانها من أجل القيام برسالتها وتحقيق أهدافها[19].
ثانيا: الأسرة في المواثيق الدولية
لقد اهتمت المواثيق الدولية بشؤون الأسرة، وقررت من الأحكام ما يكفل المحافظة عليها، كما أكدت على ضرورة العناية بها من قِبَل الدول. وقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[20] في مادته 16 على ما يلي: (( 1- للرجل والمرأة متى بلغا سن التزوج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس أو الدين، ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله[21]. 2- لا يبرم عقد الزواج إلا برضا الطرفين الراغبين في الزواج رضا كاملا لا إكراه فيه. 3- الأسرة هي الوحدة الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة )). كما نص البيان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام[22] في الفقرة رقم 19 على: (( حق بناء الأسرة: أ- الزواج – بإطاره الإسلامي – حق لكل إنسان، وهو الطريق الشرعي لبناء الأسرة، وإنجاب الذرية، وإعفاف النفس... ب- لكل من الزوجين – قبل الآخر – حق احترامه، وتقدير مشاعره، وظروفه في إطار من التواد والتراحم... )) وجاء في المادة الأولى من الإعلان المتعلق بالمبادىء الاجتماعية والقانونية المتصلة بحماية الأطفال وعنايتهم [23] ما يلي: (( على كل دولة أن تعطي أولوية عالية لرعاية الأسرة والطفل )). كما في ديباجة اتفاقية حقوق الطفل[24] ما يلي: (( اقتناعا منها – أي الأمم المتحدة – بأن الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاهية جميع أفرادها وبخاصة الأطفال ينبغي أن تولى الحماية والمساعدة اللازمتين لتتمكن من الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها داخل المجتمع...))
ثالثا: الأسرة في الدستور والقوانين الجزائرية
أ- في دستور 1996: نصت المادة 58 على ما يلي:(( تحظى الأسرة بحماية الدولة والمجتمع)). ب- في القوانين: قد اهتم قانون الأسرة – إلى جانب بعض القوانين الأخرى[25] – بشؤون الأسرة، وقد جاء تعريفها في المادة الثانية: (( الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع وتتكون من أشخاص تربط بينهم صلة الزوجية وصلة القرابة )). أما قانون العقوبات فقد نص على الحماية الجنائية للأسرة، حيث ورد نص في الفصل الثاني على: الجنايات والجنح ضد الأسرة والآداب العامة[26].
رابعا: التشريعات الصادرة قبل صدور قانون الأسرة
منها: القانون رقم 777/57، ومما ورد فيه إثبات عقود الزواج السابقة له المبرمة طبقا للشريعة الإسلامية. والأمر رقم 274/59 الذي حدد أركان عقد الزواج. وكذا القانون رقم 224/63 الذي حدد أهلية الزواج، ونص على وجوب تسجيل عقود الزواج المُغفلة.
خامسا: قانون الأسرة في الميزان
- أ- الإيجابيات: يمكن حصر إيجابيات قانون الأسرة فيما يلي: -1- المرجعية الشرعية لقانون الأسرة[27]: وهي أولى إيجابياته، بحيث أن المشرع الجزائري اعتمد أساسا عند تقنينه على الشرعية الإسلامية، وقد ورد في ديباجة المشروع التمهيدي ما يلي: " " اعتمدت اللجنة في وضع هذه النصوص على المصادر الأساسية التالي: - القرآن الكريم. - النبوية الثابتة ثبوتا مقبولا عند علماء الحديث. - السنة الإجماع. - القياس. - الاجتهاد. - الفقه على المذاهب الأربعة وعلى غيرها في بعض المسائل..." -2- مجاراته لعرف المجتمع الجزائري: فهو لم يصطدم بما تعارف عليه أفراد المجتمع من أعراف وأحكام، مثلا: لكلمة " الفاتحة " في المادة السادسة دليل على ذلك، إذا عرفنا أن المراد من استعمالها هو التعبير عن عقد الزواج الذي يتم طبقا للشريعة الإسلامية، إذ ألِف الناس قراءة سورة الفاتحة بعد تمام العقد الشرعي، ثم أصبح يُعبَر عنه " بالفاتحة ". -3- استيعابه لمعظم الأحكام الخاصة بالأسرة: وذلك بصياغة قانونية مقبولة للأحكام الشرعية يسهل تطبيقها من قبل القضاة، والعودة إليها من قبل رجال الشريعة والقانون على السواء. -4- الرجوع إلى أحكام الشريعة الإسلامية عند عدم ورود النص[28]: فقد نصت المادة 222 على ما يلي: (( كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية ))، فهذا النص يسمح للقاضي العودة إلى أحكام الشريعة الإسلامية – دون تحديد لمذهب فقهي معين – إذا عُرِضت عليه مسألة لم يرد بشأنها نص قانوني.
- ب- السلبيات يحتوي قانون الأسرة على بعض السلبيات ( النقائص ) في المواد التي تحتاج إلى تعديل أو إثراء أهمها ما يلي: -1- المادة 6: ((... تخضع الخطبة والفاتحة لنفس الأحكام المبينة في المادة 5 أعلاه )). لا يصح إخضاع الفاتحة لأحكام الخطبة للاختلاف القائم بين الإجراءين، فإذا كانت الخطبة وعدا بالزواج فإن إجراء " الفاتحة " يعتبر زواجا من الناحية العرفية ولا ينقصه سوى التسجيل على مستوى الحالة المدنية، وهو ما يقره القانون في المادة 22: (( يثبت الزواج بمستخرج من سجل الحالة المدنية، وفي حالة عدم تسجيله يثبت بحكم إذا توافرت أركانه وفقا لهذا القانون...))، وهو ما كانت تقضي به الجهات القضائية قبل صدور قانون الأسرة، ومن أمثلة ذلك ما جاء في قرار المجلس الأعلى ( المحكمة العليا حاليا ) الصادر بتاريخ 22/11/1982 في القضية رقم 28784 حيث قضى بما يلي: (( يعتبر كل زواج صحيحا إذا توفرت أركانه ولو كان غير مسجل بالحالة المدنية و تترتب عليه أثار )). -2- المادة 7: نصت على أهلية الزواج كما يلي[29]: (( تكتمل أهلية الرجل في الزواج بتمام 21 سنة والمرأة بتمام 18 سنة، وللقاضي أن يرخص بالزواج قبل ذ لك لمصلحة أو ضرورة )). يلاحَظ على هذه المادة الملاحظات الآتية: أولا: عدم بيان المادة للآثار القانونية المترتبة عن الز |