فقه الدعوة

 


مقومات الداعية إلى الله 

تمهيد

الداعي إلى الله (الداعية) هو:

¨           المبلغ الأمين لصوت النبوة.

¨           المتكفل بإيصال صوت الإسلام إلى البشرية.

¨           المرشد للحيارى، والمنبه للغافلين، والموقظ للنائمين.

¨           المدرك أن الدعوة إلى الله فريضة شرعية وضرورة اجتماعية، وهي شرف كبير لمن اختاره الله لها.

وحتى يكون أهلا لهذا المقام، لابد أن يتحلى بمجموعة من الصفات والمقومات منها:

 

-1- المقوم الإيماني:

أ. حقيقته:

الإيمان هو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وتطبيق بالجوارح.

هو الركيزة الأولى للداعي، والإيمان هو اللفظ المعبر به عن العقيدة.

ب. ركائزه:

¨           الإيمان بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأنه تعالى واحد لا شريك له، قال تعالى:

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ(2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4) الإخلاص.

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ(255)﴾ البقرة.

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(180)﴾ الأعراف.

¨           الإيمان بالملائكة المكرمين المسبحة لله والعاملة بأمره قال تعالى:

﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ(98)﴾ البقرة.

﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)﴾ الشعراء.

﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ(7)﴾ غافر.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)﴾ التحريم.

الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من عند الله على رسله الناقلة لوحيه الهادية للبشرية إلى الطريق المستقيم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ(145)﴾ الأعراف.

﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ(27)﴾ الحديد.

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48)﴾ المائدة.

﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى(18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى(19) الأعلى.

¨           الإيمان بالرسل والأنبياء جميعا عليهم صلوات الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)﴾ البقرة.

¨           الإيمان باليوم الآخر، وهو اليوم الذي سيحاسب الله فيه الخلق حسابا عادلا، وهو يوم القيامة،  له أسماء أخرى، منها:  الحاقة، الواقعة، الساعة، الفصل، الغاشية، القارعة، الحشر، الوعد الحق...

قال تعالى:

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68)﴾ الزمر.

﴿وَحُمِلَتْ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(15) وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ(16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾ الحاقة.

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ(5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ(6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ(7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ(9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ(10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ(11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ(12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ(13)﴾ التكوير.

¨           الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، فكل أمر من عند الله عز وجل ﴿...وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)﴾ الطلاق.

﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ القمر.

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ الإنسان.

ج. ثمراته:

¨           يورث الإخلاص: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)﴾ الأنعام.

يورث السكينة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ الفتح.

¨           يورث الثقة واليقين في الله وحسن التوكل عليه:  ﴿...وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)﴾ الطلاق.

عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا) رواه الترمذي وقال حديث حسن.

¨           يورث القوة: وهي قوتان:

أ- قوة دافعة (قوة الإقدام) لأداء العمل الصالح والطاعات وفعل الخير، قال تعالى:

﴿وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾ العصر.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3) أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(4)﴾ الأنفال.

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(15)﴾ الحجرات.

ب- قوة رادعة (قوة الإحجام) عن أداء العمل السيئ والإفساد، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ...).

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت...) رواه مسلم.

(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم.

¨           يورث الثبات: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ(27)﴾ إبراهيم.

¨           يورث الصبر في تحمل تبعات الدعوة:

أ- عند البذل والعطاء: لأفضل الأوقات والأموال...

ب- عند الأذى والابتلاء ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ(3)﴾ العنكبوت.

 

-2- المقوم التربوي الخلقي:

 

أ. أهمية الإعداد التربوي:

¨                       هو صمام أمان لنجاح العمل الدعوي.

¨                       سبيل لانتشار الدعوة، فالتاريخ يشهد أن التجار المسلمين بلّغوا الإسلام بحسن أخلاقهم.

¨                       هي وسيلة لتهيئة الفرد لمهمة الاستخلاف، لذلك كان الإنسان أطول المخلوقات حضانة.

¨                       التربية هي معيار التفاضل بين الناس، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق) رواه الترمذي.

(أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا) رواه مسلم.

(إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) رواه أحمد.

ولقد مدح تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بحسن أخلاقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾ القلم، وقد سأل هشام بن حكيم السيدة عائشة أم المؤمنين عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان خلقه القرآن).

ب- الصفات التربوية للداعية:

هي مجموعة صفات لابد لكل مسلم أن يتصف بها، لكن الداعية إلى الله أولى بها فهو صاحب رسالة وهو القدوة.

الصفة الأولى: الصدق

- الصدق هو أن تكون صادقا حيث لا ينفعك إلا الكذب.

- يحقق الثبات في القول والعمل.

- يحقق الطمأنينة وراحة الضمير.

- يورث الإقناع في غيره (المتلقي).

- ولقد عُرف الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق وبه كان يسمى "الصادق الأمين"، وبه شهد أعداؤه وإن لم يؤمنوا برسالته:

- لما سأل هرقل أبا سفيان – قبل إسلامه – عن الرسول: [...فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه: لا، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة... فقال هرقل: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله] فتح الباري شرح صحيح البخاري/الجزء 1/ كتاب: بدء الوحي/ ص: 43-44.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(119)﴾ التوبة.

﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(24)﴾ الأحزاب.

﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ(21)﴾ محمد.

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ (177)﴾ البقرة.

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84)﴾ الشعراء.

والأحاديث في هذا الباب كثيرة منها:

عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّابا) متفق عليه.

(...فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) رواه الترمذي وقال حديث صحيح.

وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ قال: (نعم)، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: (نعم)، فقيل: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: (لا) موطأ مالك.

فعلى الداعي أن يتحرى الصدق في أقواله وأفعاله، وأن يبني مواقفه على الحقائق الصادقة لا على الظنون والإشاعات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ(6)﴾ الحجرات.

فالكذب رذيلة، والإدمان عليه دمار للإنسان وللفكرة التي يتبناها، وللدعوة التي يدعو إليها.

الصفة الثانية: الأمانة

وهي صفة مرتبطة بالصدق ملازمة له، والأمانة لا تقتصر على حفظ الودائع بل هي شعور الإنسان بمسؤوليته على جميع التبعات وعلى جميع التكاليف، وهي كما يقول الشيخ الغزالي:(...فضيلة ضخمة لا يستطيع حملها الرجال المهازيل).

لقد اتصف رسل الله بالأمانة وكيف لا وهم صفوة خلقه، قال تعالى:

﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ(106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(107)﴾ الشعراء.  

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ(26)﴾ القصص.

ورجل الدعوة لابد له من صفة الأمانة ليبلغ رسالته كاملة والأمانة شيء عظيم ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)﴾ الأحزاب.

 وحذر من خيانتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(27)﴾ الأنفال.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

(...ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذِرون ولا يوفون...) متفق عليه.

(لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد.

(أد الأمانة إلى من إئتمنك، ولا تخن من خانك) رواه أحمد وأبو داود.

(المستشار مؤتمن) رواه الطبراني.

جاء رجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى تقوم الساعة؟ فقال: (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة...) رواه البخاري.

الصفة الثالثة: الحلم

- يقول العلماء إن الحلم سيد الأخلاق.

- وهو سعة الصدر والقدرة على تحمل الأذى، ودليل قوة لا ضعف، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) موطأ مالك.

- يكسب الإنسان الصلابة في مواجهة أشد المواقف: قال تعالى ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)﴾ فصلت.

- عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما ينقذني من غضب الله؟] قال: (لا تغضب) أخرجه أحمد في مسنده.

فالداعي يصادف أصنافا من الناس وألوانا من الصعاب يحتاج في ذلك إلى الحلم والأناة، وإن كان الغضب صفة إنسانية لكن لابد من التحكم فيها، لقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾ آل عمران.

الصفة الرابعة: العفو

إن من صفات الله عز وجل العفو والتوبة، ولقد أورد سورة باسم "التوبة" وبين أن أبواب توبته و عفوه مفتوحة ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾ الزمر.

و لنا في رسل الله عليهم السلام الأسوة الحسنة في الصفح عن أقوامهم رغم ما تلقوه منهم من الأذى والعذاب:

- حلم هود عليه السلام وهو في مواجهة قومه حينما دعاهم إلى عقيدة التوحيد قالوا كما يروي القرآن: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ(66) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ(68) الأعراف 66-68، فقد غلب الحلم على الغضب والعفو على العقاب.

- حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما عاد إلى مكة – موطنه الذي طرد منه – فاتحا لم يكن منه إلا أن عفا وصفح عن أهلها، قال لهم: (ما تظنون أني فاعل بكم؟) قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: (لا أقو لكم إلا ما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء) رواه مسلم وغيره.

قال تعالى:

﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ(199)﴾ الأعراف.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(13)﴾ المائدة.

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾ آل عمران.

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(22)﴾ النور.

الصفة الخامسة: الصبر

- يراد بالصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والوقوف مع البلاء بحسن الأدب، وهو نصف الإيمان.

- إن تجاوز الأزمات وتخطي العقبات وتحمل التبعات ومواجهة الكربات يحتاج إلى صبر كبير.

- من أسماء الله تعالى "الصبور" فهو لا يستعجل العقوبة.

- الصبر من علامات الرجولة.

- لا ينهض بالدعوة إلا الصابرون.

قال تعالى:

﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(19)﴾ سبأ.

﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(33)﴾ الشورى.

﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(186)﴾ آل عمران.