فقه السنة

 

 

فقه الأولويات (01)

 

تمهيد:

تتفاوت التكاليف الشرعية والأعمال على درجات مختلفة، وكذا الأحكام الشرعية تتنوع فمنها الواجب، الفرض، المندوب، الحرام والمستحب، لذلك نحتاج إلى فقه الأولويات لوضع الأعمال والتكاليف موضعها المناسب وترتيب الأحكام الموافقة للأفعال، فهو فقه ضروري لصحة العبادات وسلامة المعاملات.

- قال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19) الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ(20) التوبة، وهذا دليل على اختلاف درجة القاعد في البيت الحرام متفرغا للعبادة والمجاهد في سبيل الله، لذلك قال عبد الله بن المبارك للفضيل بن عياض المتفرغ للعبادة في البيت الحرام:

يا عابد الحـرميـن لو أبصرتـنا      لعلمـت أنك بالعبادة تلعــب

من كان يخضب خـده بدمـوعـه     فنحورنا بدمائنا تتــخضـب

أو كان يتـعب خيـله في باطـل      فخيولنا يوم الصيحة تـتعـب

ريح العبير لكـم ونحـن عبـيرنا     رهج السنابك والغبار الأطيـب

ولقــد أتانا من مقال نبينا قــول    صحــيح صـادق لا يكـذب

لا يســتوي غبـار أهـل الله في     أنف إمرئ ودخان نار تـلهب

هذا كتـاب الله ينطـــق بيـننا      ليس الشــهيد بميت لا يكذب

فلما وصلت هذه الأبيات الفضيل بن عياض ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمان.

- قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.

وقد حرص الصحابة على العمل بفقه الأولويات من خلال كثرة أسئلتهم لمعرفة المراتب العليا للأعمال بغرض تطبيقها.

¨     عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور) رواه البخاري.

¨     عن عبد الله بن مسعود قال: [سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم أي؟ قال: برّ الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله)] مسلم.

ومما يلفت النظر اختلال ميزان الأولويات لدى عموم الأمة، من مظاهره: الاهتمام بالنوافل دون الفرائض، وتقديم الفروع على الأصول، الاهتمام بالعبادات الفردية على حساب العبادات الاجتماعية إلى غير ذلك من ألوان الخلل وهذا يؤدي إلى تضييع الأوقات وتبديد الطاقات وصناعة الأزمات وتمزيق العلاقات.

 

أولا: تعريف فقه الأولويات

ويسمى فقه مراتب الأعمال، ويراد به: معرفة الأسبقيات في الأحكام والأعمال وفق المعايير والموازين الشرعية.

وهذا يقتضي وضع ترتيب أولوي بتقديم الأصل على الفرع، والفرض على النفل، والأهم على المهم، و الراجح على المرجوح...

 

ثانيا: فقه الأولويات والمصالح الشرعية

قررت الشريعة الإسلامية مجموعة من المصالح وهي: الضروريات (الدين، النفس، العرض، العقل، المال) والحاجيات والتحسينيات، فتقدم الضروريات على الحاجيات، والحاجيات على التحسنيات، والمصالح الشرعية تتفاوت فيما بينها فتقدم المصلحة المستقبلية القوية الدائمة على المصلحة العارضة الآنية الضعيفة، والمثال الذي يترجم ذلك ما وقع في صلح الحديبية حين تنازل الرسول صلى الله عليه وسلم في وثيقة الصلح بكتابة باسمك اللهم بدل البسملة، ومحمد بن عبد الله بدل محمد رسول الله، فاستثمر مدة الهدنة في تربية الرجال ونشر الدعوة ومخاطبة الملوك.

 

ثالثا: فقه الأولويات والمأمورات الشرعية

- تقديم الفرائض على السنن:

¨     عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) متفق عليه.

¨     عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال: (يا معاذ ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) متفق عليه.

¨     عن طلحة بن عبيد الله قال: [جاء رجل إلى رسول الله من أهل نجد نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو يسأل عن الإسلام فقال: خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام شهر رمضان، قال: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع... فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق)] متفق عليه.

- تقديم فروض العين التي لا تسقط إلا بأدائها بصفة فردية على فروض الكفاية التي يسقط إثمها عن عموم المسلمين إذا أتى بها بعضهم.

 

رابعا: فقه الأولويات والمنهيات الشرعية

تختلف درجة المنهيات الشرعية، قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) رواه مسلم.

- ترك الكفر الأكبر الذي يخرج من الملة مقدم على الكفر الأصغر وهو كفر النعمة.

- ترك الشرك الأكبر وهو الشرك بالله مقدم على الشرك الأصغر مثل الحلف بغير الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك) رواه أحمد والترمذي.

- ترك النفاق الأكبر وهو نفاق العقيدة مقدم على النفاق الأصغر وهو نفاق السلوك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتمن خان). متفق عليه.

عودة