فقه السنة

 

 

فقه الأولويات (02)

 

خامسا: فقه الأولويات والعلم

اهتم الإسلام بالعلم قبل العمل فالعلم إمام والعمل تابعه، ولقد وضع الإمام البخاري بابا في جامعه الصحيح بعنوان: "باب العلم قبل القول والعمل"، واحتج بأدلة منها:

- قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ(19) محمد.

- قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) رواه البخاري ومسلم.

فبالعلم يُميز بين:

- الحق والباطل في المعتقدات.

- الصواب والخطأ في المقولات.

- السنة والبدعة في العبادات.

- الصحة والفساد في المعاملات.

- الحلال والحرام في التصرفات والسلوكات.

فبالعلم تتحقق الحصانة المانعة من الزلل والانحراف، وهو ما أشار إليه الإمام الحسن البصري بقوله: [العامل على غير علم كالسالك على غير طريق].

 

سادسا: فقه الأولويات والفتوى

إن مقام الفتوى رفيع وخطير، فالمفتي موقع عن الله كما ذكره ابن القيم في كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: [أجرؤكم على الفتيا أجرأكم على النار].

ولقد دلت نصوص شرعية من الكتاب والسنة على التزام منهج الوسط والاعتدال فهو منهج رباني، ومن خصائص هذا المنهج التزام التيسير في الفتوى، ومن أدلة ذلك:

- قال تعالى: ﴿...يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...(185) البقرة.

- قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا(28) النساء.

- قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: [ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس عنه] متفق عليه.

- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) رواه البخاري ومسلم.

- روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس من البر الصيام في السفر) متفق عليه، أي السفر الشاق، أما غيره فالعبد مخير، سأل حمزة بن عمرو الأسلمي النبي صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر) متفق عليه.

- عن أبي مسعود الأنصاري أن رجلا قال: [والله يا رسول الله إني لأتأخر عن صلاة الغداة (الصبح) من أجل فلان، مما يطيل بنا موعظة فيها] غضب ثم قال: (إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز (يخفف) فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة) متفق عليه.

- أنكر رسول الله عليه الصلاة والسلام على معاذ بن جبل إطالته في الصلاة قائلا: (أفتّان أنت يا معاذ؟ أفتّان أنت يا معاذ؟ أفتّان أنت يا معاذ؟) رواه البخاري.

- عن ابن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا، رواه مسلم وأبو داود.

وقد كرس الإسلام سنة التدرج والتزام الحكمة، وهذا ما يظهر في موقف ثاني العمرين وخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز مع ابنه عبد الملك حين قال له: [يا أبت مالك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي وإن غلت بي وبك القدور في الحق؟] ويقصد القضاء على المظالم والفساد جملة، فرد عليه: [لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدَعوه جملة].

ومما يؤكد منهج التيسير ويوسع دائرته وجود أعذار منها: العجز، المرض، الحاجة، الشيخوخة، المشقة، الضرورات.

 

سابعا: فقه الأولويات والعمل

تختلف الأعمال في مراتبها وثوابها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون (وستون) شعبة: أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) رواه الجماعة عن أبي هريرة.

1. العمل الدائم مقدم على المنقطع: قال صلى الله عليه وسلم:

- (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه عن السيدة عائشة رضي الله عنها.

- (عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين.

2. العمل المتعدي النفع مقدم على القاصر: قال صلى الله عليه وسلم:

- (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، ليصلّون على معلم الناس الخيرَ) حديث أبي أمامة.

- (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري عن عثمان بن عفان.

- (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل...) رواه البخاري ومسلم، حظي بهذا المقام بسبب عدله الذي عاد نفعه على عموم الأمة.

- عن عبد الله بن عمر أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله: ([أي الناس أحب إلى الله؟] فقال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم: تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد (مسجد المدينة المنورة) شهرا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يَمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له، ثبّت الله قدميه يوم تزول الأقدام) رواه الطبراني عن ابن عمر.

- (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ إصلاح ذات البين) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

- (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي والنسائي.

 

ثامنا: فقه الأولويات والإصلاح

1. بناء الفرد مقدم على بناء المجتمع: لذلك يجب بناؤه بشكل متوازن عقيدة وعبادة وفكرا وسلوكا.

2. تغيير ما بالأنفس مقدم على تغيير ما بالواقع: مصداقا لقوله تعالى: ﴿...إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ...(11) الرعد، وهو المنهج الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم في بنائه للصحب الكرام.

 

تاسعا: خلاصات

1. اهتمام العلماء بالتأليف في فقه الأولويات:

- الوسائل إلى معرفة الأوائل للحافظ جلال الدين السُّيُوطي.

- أولوية الفاروق عمر السياسية للدكتور غالب عبد الكافي.

- فقه الأولويات للشيخ يوسف القرضاوي.

- أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة للشيخ يوسف القرضاوي.

- فقه الأولويات: دراسة في الضوابط للدكتور محمد الوكيلي.

2. اضطراب سلم الأولويات سبب لوقوع انحرافات عديدة  في جميع المجالات.

3. احترام سلم الأولويات يؤدي إلى تحقيق الغايات.

عودة