فقه السنة

 


الـذكـر

تمهيد

الذكر أيسر العبادات، وهو قوت القلوب، وقد دلت عليه نصوص شرعية منها:

1. أمر الله تعالى به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41) الأحزاب.

2. نهى عن ضده ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205) الأعراف.

3. ربط الفلاح به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(45) الأنفال.

4. سبيل لنيل الجزاء الحسن: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(35) الأحزاب.

5. سبب يذكر الله به عبده: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِي(152)﴾ البقرة.

6. تختم به الأعمال الصالحة:

- الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ...(103) النساء، وقال أيضا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(10) الجمعة.

- الحج: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200) البقرة.

7. الذكر سبب للانتفاع بآيات الله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191) آل عمران.

 

أولا: تعريفه

الذكر هو التخلص من الغفلة والنسيان، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205) الأعراف، ﴿...وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ...(24) الكهف.

 

ثانيا: فضله

قال الرسول صلى الله عليه وسلم:

1. (سبق المُفرِّدُون) قالوا: [وما المفردون يا رسول الله؟] قال: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات) رواه مسلم.

2. وفي مسند الإمام أحمد - مرفوعا - من حديث أبي الدّرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم...) قالوا: [وما ذاك يا رسول الله؟] قال: (ذكر الله عز وجل).

3. (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده...) رواه مسلم.

4. في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: (ما أجلسكم؟) قالوا: [جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام]، فقال: (...أتاني جبريل، فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة).

5. سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ فقال: (أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله).

6. وفي المسند وغيره من حديث جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس! ارتعوا في رياض الجنة) قلنا: [يا رسول الله وما هي رياض الجنة؟] فقال: (مجالس الذكر).

7. في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميّت).

8. روى النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه إبراهيم - ليلة الإسراء والمعراج - أنه قال له: (يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) حديث حسن رواه الترمذي وأحمد.

9. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح فيما يرويه عن ربه: (أن عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم).

10. (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) صحيح البخاري.

11. (أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله، والحمد، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت) مسلم.

12. (سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته) رواه الترمذي.

13. في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عِدْل عشرِ رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتي يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه).

14. عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) الترمذي وابن ماجه.

15. عن أبي موسى الأشعري قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟) فقلت: [بلى يا رسول الله]، قال: (قل لا حول ولا قوة إلا بالله) البخاري ومسلم.

16. عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وَجَبَت له الجنة) أبو داود.

17. جاء رجل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: [أي المجاهدين أعظم أجرا؟] قال: (أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا)، قال: [فأي الصالحين أعظم أجرا؟] قال... ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك ورسول الله يقول: (أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكرا)، فقال أبو بكر لعمر: يا أبا حفص ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أجل) رواه أحمد والطبراني.

18. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق (وفي لفظ مسلم: إن لله تبارك وتعالى ملائكة سيارة فضلاء، يبتغون مجالس الذكر) يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا أن هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا، قال: فيقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا، وأعظم فيها رغبة، قال: فممّ يتعوذون؟ قال: يقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا، وأشد منها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم يا ملائكتي أني غفرت لهم، قال: فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) رواه البخاري.

 

ثالثا: أنواعه

- أ- التقسيم الأول: من حيث المضمون

1. ذكر الأسماء والصفات: أن نذكر الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، مثل: الحي، القيوم، الوارث، الصبور...

2. ذكر الأوامر والنواهي: أن نذكر الله بتطبيق أوامره واجتناب نواهيه.

3. ذكر النعماء والآلاء: أن نذكر الله بنعمه الكثيرة فنشكره.

- ب- التقسيم الثاني: من حيث الكيفية

1. ذكر تواطأ عليه القلب واللسان: وهي أعلى المراتب.

2. ذكر بالقلب وحده.

3. ذكر باللسان.

 

رابعا: خلاصات

أشار ابن القيم في كتابه "الوابل الصيب" إلى فوائد الذكر، منها:

1.     الذكر أيسر العبادات.

2.     يقرب إلى الرحمن.

3.     يطرد الشيطان.

4.     يرقق القلوب.

5.     تنزل به السكينة.

عودة