فقه السنة

 

 

الهجرة النبوية (01)

 

تمهيد:

الهجرة النبوية حدث عظيم في تاريخ الإسلام، وبه ابتدأ التقييم التاريخي الهجري عند المسلمين، وأول من اتخذه تاريخا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعدما استشار الصحابة في ذلك.

هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الأذى الشديد الذي تلقاه هو والمسلمون من أهل قريش، ففروا بدينهم تاركين الوطن والأهل والمال، فالدين أغلى ما يملك المؤمن.

 

أولا: مقدمات الهجرة (الإعداد للهجرة)

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل منها: قبيلة كندة وبين حنيفة وبني عامر، وكان يتحين لذلك الفرص فوجد في موسم الحج غايته فأخذ يدعو العرب لرسالته، وفي العام العاشر للبعثة وفد عليه سبعة من الخزرج وقد آمنوا به فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعودوا بعد عام ومعهم آخرون، وفي العام المقبل وافى موسم الحج اثنا عشر رجلا (تسعة من الخزرج على رأسهم أسعد بن زرارة، وثلاثة من الأوس على رأسهم أبو الهيثم)، لاقاهم الرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة في ضواحي منى ليلا فبايعوه وسميت بيعة العقبة الأولى (بيعة النساء)، من أهم بنود البيعة ما يلي:

-         الإيمان أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله.

-         لا يسرقون ولا يزنون ولا يفسدون...

وعادوا إلى المدينة وأرسل معهم مصعب بن عمير أول سفير في الإسلام وحمله مهمة نشر الدعوة الإسلامية وتهيئة النفوس لاستقبال المهاجرين المسلمين.

وعاد بعد عام في موسم الحج ومعه واحد وسبعون رجلا وامرأتان هما: نسيبة بنت كعب (أم عمارة) و أسماء أم عمرو (من بني سلمة)، فكانت بيعة العقبة الثانية، وأهم الملاحظات حول هذه البيعة ما يلي:

1. اختيار المكان: العقبة.

2. اختيار الزمان: موسم الحج، الليل فهو ستار آمن.

3. الرقابة: كلف بها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

 حضر البيعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس وهو مشرك، ومصعب بن عمير مع وفده.

افتتح المجلس العباس وقال: [يا معشر الخزرج والأوس! إن محمدا منا حيث علمتم أنه في عز ومنعة، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم، فإن كنتم وافون له بما دعوتموه ومانعوه فأنتم وذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة].

فقال الأنصار: [لقد سمعنا ما قلت، تكلم أنت يا رسول الله... وخذ لنفسك ولربك ما أحببت]، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآنا ورغبهم في الإسلام، ودعاهم إلى الطاعة في السراء والضراء، في المنشط والمكره، والإنفاق في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: (...تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم)، فأمسك البراء بن معرور يد رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: [نعم! والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرَنا (نساءنا) فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر] فقاطعه أبو الهيثم فقال: [يا رسول الله! إنا بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟] فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: (بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم)، تكلم العباس بن عبادة الأنصاري فقال: [أتدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر والأسود (العرب والعجم)] فقال الأنصار: [فمالنا بذلك؟] قال صلى الله عليه وسلم: (الجنة)، فقالوا: [ابسط لنا يدك نبايعك]، فتمت بيعة العقبة الكبرى، وقال صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا منكم اثني عشر نقيبا)، فأخرجوا منهم تسعة من الخزرج  منهم: أسعد بن زرارة، سعد بن الربيع، عبد الله بن رواحة، البراء بن معرور، عبادة بن الصامت... وثلاثة من الأوس وهم: أسد بن حضير، سعد بن خيثمة، رفاعة بن عبد المنذر.

 

ثانيا: التخطيط للهجرة

قال صلى الله عليه وسلم للصحابة: (إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها)، فخرج الصحابة ليلا خفية أرسالا (جماعات) وكان أول مهاجر قدم المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد...

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه مجاهرا وفي النهار فقد طاف بالكعبة وصلى خلف مقام إبراهيم عليه السلام وتحدى الكفار قائلا: [شاهت الوجوه، إني مهاجر إلى المدينة، فمن يرد أن تبكي أمه، ويتيتم أولاده، وتترمل زوجته، فليتبعني خلف هذا الوادي].

لم يكن عمر بن الخطاب أشجع من الرسول صلى الله عليه وسلم بهجرته المعلنة، لكن تصرفه ذلك كان تصرفا شخصيا، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان عمله عملا تشريعيا وتعليما لأمته لأسلوب التخطيط.

هاجر جميع الصحابة ولم يبق في مكة إلا الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وعائلتاهما، استأذن أبو بكر في الهجرة فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا).

أذن الله تعالى لرسوله الكريم أن يهاجر فجاء إلى أبي بكر فقال له: (أذن لي ربي بالهجرة)، فقال له أبو بكر: [الصحبة يا رسول الله] فرد عليه: (الصحبة)، قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: [رأيت أبا بكر يبكي من الفرح].

اجتمع الكفار في دار الندوة وأجمعوا أمرهم أن يختاروا من كل قبيلة فتى شجاعا يضربون رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه فلا يستطيع بنو هاشم أن يثأروا له.

باستقراء وقائع مقدمات الهجرة نستنتج ما يلي:

1. حسن اختيار الوقت: الاثنين 19 ربيع الأول ليلا، والليل ستار آمن.

2. اختيار الدليل وهو عبد الله بن أُرَيقط كان مشركا ولكنه كان عارفا بالطريق.

3. اختيار الطريق غير المألوف: اتجه جنوب مكة رغم أن طريق المدينة شمالا ابتعادا عن طريق قوافل التجار.

4. ترك علي بن أبي طالب ينام في مكانه تمويها ولرد الودائع لأصحابها.

5. خروج الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه مشيا على الأقدام.

6. مشاركة أسماء بنت أبي بكر الصديق إذ كانت تحمل لهما الزاد وهما بغار ثور، رغم أنها كانت حاملا في شهرها السابع إلا أنها تكبدت المشاق سائرة على قدميها... ولم يكن أحد يشك في مساهمتها في تيسير الهجرة.

7. صعود عبد الله بن أبي بكر كل ليلة إلى غار ثور لنقل أخبار مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام.

8. الاستعانة براع لأبي بكر عامر بن فهيرة إذ كان يسير بأغنامه لإعفاء الأثر.

        لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ودع مكة قائلا: (إني لأخرَج منك، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت).

        لما لم يجد الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم في فراشه حيث وجدوا عليا كرم الله وجهه انطلقوا صوب الأنحاء يبحثون عنه ويعلنون العطايا لمن يأتيهم به حيا أو ميتا.

وصل المشركون إلى فم غار ثور حيث كان يتخفى الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه، بعد أن اجتهد واتخذ جميع الأسباب والاحتياطيات للملاذ، خاف أبو بكر الصديق على صاحبه فقال: [لو أن أحدهم نظر إلى قدمه لرآنا]، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام الواثق من ربه قائلا: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا) فقد استحضر معية الله تعالى، فكما يقول ابن عطاء الله السكندري: [من وجد الله فماذا فقد]، وأنزل الله سكينته عليهما، قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40) التوبة.

عودة