|
|
|
|
فقه السنة |
|
|
فقه الاختلاف (02)
ثالثا: بيان المنزلة الكبرى لعلماء الشريعة لعلماء الشريعة مكانة كبرى عبر عنها العلماء مثل ابن قيم الجوزية في كتابه "أعلام الموقعين ج1 ص 8-9 عقد فصلا خاصا ببيان المنزلة العظمى لعلماء الدين: [كان العلماء من أمته (أمة الرسول صلى الله عليه وسلم) منحصرين في قسمين: حفاظ الحديث وفقهاء الإسلام هم نجوم السماء وفقهم الله لضبط قواعد الحلال والحرام]. - وقال ابن تيمية في كتابه: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ص 3-4: [...فإنهم خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته، والمحيون مما مات من سنته، بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا... فإنهم متفقون اتفاقا يقينيا على وجوب إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وأن كل أحد منهم يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم].
رابعا: الضوابط الفكرية للاختلاف 1. إدراك أسباب الاختلاف بين العلماء: قال عمر بن عبد العزيز: [ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن لنا رخصة]، واختلافهم في الفروع لا في الأصول. قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته العاشرة بمكة المكرمة صفر 1408ﮪ/أكتوبر 1987م حينما نظر في موضوع الخلاف الفقهي بين المذاهب ما يلي: الاختلاف الفقهي في بعض المسائل حكمة بالغة ورحمة بالأمة. 2. إتباع منهج الوسط والاعتدال: - عن ابن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هلك المتنطعون) رواه مسلم، يفيد هذا الحديث معنى الإخبار، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم صدق، مما يؤكد مآل التعصب والتنطع وهو الهلاك، كما يفيد معنى الدعاء ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد. - اتفق العلماء على تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)﴾ الفاتحة، بأنه الطريق الوسط، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا...(143)﴾ البقرة. 3. عدم الإنكار في المسائل الخلافية: لا يجوز القطع في مسائل الخلاف، ومثال ذلك: - مسألة قصر الصلاة: يرى أبو حنيفة أنها عزيمة ويفضل القصر، أما غيره من الفقهاء مثل الإمام مالك والشافعي وأحمد يرون أنها رخصة. - مسألة طلاق الفار (المريض مرض الموت): يرى أبو حنيفة أن الزوجة المطلقة ترث مادامت في عدتها، أما أحمد فيرى أنها ترث ما لم تتزوج بآخر، أما مالك يورثها ولو تزوجت بآخر، عملا بالقاعدة الفقهية: "من استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه"، أو "من استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بعكس مقصوده". 4. التعاون على المتفق عليه والتسامح في المختلف فيه: وهي قاعدة المنار التي صاغها الشيخ محمد رشيد رضا. ¨ المسائل المتفق عليها، وهي كثيرة، منها: - وحدانية الله. - أركان الإسلام الخمسة. - قواعد الحلال والحرام. - الأخلاق... ¨ المسائل المختلف فيها التي لها ما يبررها شرعا، منها: - رفع اليدين عند الدعاء. - القبض والسدل. - رفع اليدين عند الركوع أو الرفع منه. - الجهر بالبسملة أو الإسرار بها أو عدم قراءتها في الصلاة.
خامسا: الضوابط الأخلاقية التربوية 1. الإخلاص لله: في كل قول أو عمل، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)﴾ الأنعام. 2. التحرر من التعصب: سواء للجماعات وللمذاهب وللأحزاب والأشخاص. 3. تجنب التجريح، وإحسان الظن بالمخالفين وحمل الكلام على المحمل الحسن: خاصة تجاه العلماء فهم ورثة الأنبياء، ولحومهم مسمومة. قال تعالى: ﴿...اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...(12)﴾ الحجرات. 4. التزام الحوار بالحسنى مع المخالفين: والعمل بقوله تعالى: ﴿...وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن...(125)﴾ النحل.
سادسا: خلاصات 1. الاختلاف المشروع هو المبني على أسباب ومسوغات شرعية. 2. الاختلاف المذموم هو الذي يقوم على الهوى والانتصار للنفس. 3. إذا اجتهد العلماء وأصابوا فلهم أجران، ولهم أجر الاجتهاد مع الخطأ، لقوله صلى الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) رواه البخاري. 4. لا يجوز أن ينتقل الخلاف من دائرة العقل إلى القلب، والاختلاف لا يفسد للود قضية. 5. يجب التزام أدب الاختلاف عند وقوعه. 6. يجب الاقتداء بالعلماء الأعلام في التعامل مع المخالفين، ومن أمثلة ذلك: - خالف الشافعي أستاذه مالك في عدة مسائل، لكنه قال فيه: [إذا ذُكِر العلماء فمالك النجم]. - خالف أحمد أستاذه الشافعي وبقي يدعو له سنين عديدة، فقال له ابنه: [يا أبت لقد سمعتك تكثر الدعاء للشافعي فمن هو؟] فقال له: [كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهما من عوض؟]. |