فقه السنة

 


الصـيـام

 

تـمـهــيـد

 

يعتبر الصيام ركنا من أركان الإسلام لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) رواه الشيخان، ولقد ذكر الله تعالى شهر الصيام باسمه فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185) البقرة، وهذا تعظيما لشأنه ففيه أنزل القرآن الكريم فاتصلت السماء بالأرض، ولقد فرضه الله عز وجل في السنة الثانية من الهجرة، قال تعالى ﴿...وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) البقرة.

 

أولا: فــضـلـه

 

1.عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه) رواه البخاري ومسلم.

2. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به) رواه البخاري ومسلم.

أ-إن الصوم لا يقع فيه الرياء، لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:(ليس في الصيام رياء).

ب- انفرد الله بعلم مقدار ثواب الصوم وتضعيف حسناته، قال الإمام القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس، وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير...

ج- (الصوم لي) إضافة تشريف.

د- (فإنه لي) لم يعبد بالصيام غير الله، بخلاف الصلاة والطواف والدعاء...

3. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيُشفعَّان) رواه أحمد بسند صحيح.

4. عن سهل بن سعد رضي لله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه غيرهم، فإذا دخلوا أغلق، فلم يدخل منه أحد) البخاري.

5- عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وسلسلت الشياطين).

6- قال النبي صلى الله عليه وسلم (وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار).    

 

ثانيا: مقاصد الصيام

 

1- مقاصد إيمانية: ﴿...وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83) البقرة، فالصيام سبيل التقوى، والتقوى سبيل لحب الله ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76) آل عمران.

2- مقاصد تربوية: تزكية النفوس وتربيتها من خلال:

¨التحرر من المألوفات.

¨كبح الشهوات.

¨تربية الإرادة.

¨التعود على الصبر لفعل الطاعات وترك المعاصي.  

3- إشعار الصائم بنعم الله وإدراك قيمتها، حيث يحرم منها أثناء صومه، فيشكر الله عليها ﴿...رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ...(7) إبراهيم، ﴿.. .وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ(144) آل عمران.

4- تنظيم حياة المسلمين: تحديد وقت الإفطار والسحور.

5- تقريب الأواصر بين الناس، ولمّ شمل الأسر.

6- مقاصد اجتماعية: زرع الإحساس بمعاناة الفقراء، ومساعدتهم والتصدق عليهم، فشهر رمضان يستوي فيه البخلاء والأسخياء في الكرم.

7- مقاصد صحية: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (صوموا تصحوا)، وهذا ما أثبتته الدراسات الطبية الحديثة، فالصوم وقاية وعلاج.

 

ثالثا: خلاصات

 

1- قال النبي صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).

2- قال النبي صلى الله عليه وسلم (ومن قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهي الليلة التي قال فيها الله ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3) القدر، فالعبادة فيها تعادل عبادة العمر كله (83 سنة).

3- تعجيل الإفطار وتأخير السحور، قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) متفق عليه من حديث سهل بن سعد، (تسحروا فإن في السحور بركة) متفق عليه عن أنس بن مالك.

4- التنزه عن اللغو والكذب والغيبة والرفث والسب والغضب والجهل قال النبي صلى الله عليه وسلم (الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل...)، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينقذني من غضب الله؟ قال: (لا تغضب) رواه أحمد في مسنده.

5- ضرورة الإفطار لمن له عذر شرعي وله الأجر إن شاء الله.

6- تجنب الشـــك، فلا يشك في صحة صومه فيظل صائما لا يقضي إلا ما ثبت لديه فطره بيقين، فالقاعدة الفقهية تقرر "اليقين لا يزول بالشــك".

7- تجنب المضاربة وغلاء الأسعار والربح السـريع.

8- الاعتدال في الأكل ﴿...وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31) الأعراف.

9- تفطير الصــائم له فضل كبير لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: (من فطر صــائما في شهر رمضان من كسب حلال صلت عليه الملائكة ليالي رمضان كلها،  وصافحه جبريل عليه السلام ليلة القدر، ومن صافحه جبريل يرق قلبه وتكثر دموعه).

10- حسن استثمار هذا الشهر بصيام النهــار وقيــام الليـل، وتلاوة القرآن والذكر والدعاء، والاجتهاد في العشر الأواخر، وأداء العمرة للقادر فهي تعدل حجة. 

11- صيام التطوع:

¨ستة أيــام من شــوال (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر).

¨يوم عــرفة لـغير الحـاج، والذي يكفر ذنوب السنة الماضية والباقية.

¨الأيــام البيض: وهي الأيام 13، 14، 15 من كل شهر قمري.

¨الاثنين والخميس، فهما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين.

¨الإكثار من الصوم في شعبان والأشهر الحرم الأربعة: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، رجب.

¨صيام يوم وإفطار يوم، وهو أفضل الصيام وأحبه إلى الله، وهو صيام داوود عليه السلام.

عودة