|
|
|
|
فقه السنة |
|
|
الأخوة في الله تمهيد إن الأخوة في الله رابطة وثيقة تسمو على سائر العلاقات التي تربط بين الناس لكونها محكومة بتراب أو دم أو مصلحة دنيوية، لذلك حرص الإسلام على تقوية تلك الرابطة، فأسسها على العقيدة فكانت منحة إلهية لا يدرك قيمتها إلا من عرف كنهها، ولا يشعر بحلاوتها إلا من ذاقها، قال بان المبارك: [ألذ الأشياء مجالسة الإخوان]، وقد وصفها الله بالنعمة في قوله: ﴿...وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...[1]، وجعلها فريضة بين المؤمنين في قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ...﴾[2]. وقد أكد الإسلام على تعزيز أواصر الإخاء لأن ذلك يقوي أركان المجتمع المسلم ويحفظ بنيانه، واعتبر من خذلان المسلم لأخيه ذريعة إلى خذلان الإسلام والمسلمين. أولا: فضائل الأخوة للأخوة فضائل جليلة وثمرات عديدة يحظى بها المتآخون في الله، نذكر منها: 1. يستحقون مغفرة الله: لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذه بيده تحاتت منهما ذنوبهما، كما تنحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وغفر ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحر)[3]. 2. يستحقون محبة الله: - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن رجلا زار أخا له في الله فأرصد الله له ملكا، فقال: أين تريد؟ قال: أريد أن أزور أخي فلانا، فقال: لحاجة لك عنده؟ قال: لا، قال: لقرابة بينك وبينه؟ قال: لا، قال: فبنعمة لك عنده؟ قال: لا، قال: فبم؟ قال: أحبه في الله، قال: فإن الله أرسلني إليك أخبرك بأنه يحبك لحبك إياه، وقد أوجب لك الجنة)[4]. - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول: حقت محبتي للذين يتزاورون من أجلي، وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي)[5]. 3. يستحقون الجنة: - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضا أو زار أخا في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا)[6]. 4. يضلهم الله في ظله يوم القيامة: - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ...ورجلان تحابا في الله، فاجتمعا على ذلك وتفرقا عليه...)[7]. - وقال أيضا: (إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي)[8]. 4. يكرمهم الله بنور في وجوههم: - قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله تعالى، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)[9]. - عن معاذ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء)[10]. ثانيا: شروط الأخوة في الله لا تؤتي الأخوة ثمارها، ولا تحقق مقاصدها إلا إذا توفرت شروطها، منها: 1. أن تكون الأخوة خالصة لله تتنزه عن المصالح الشخصية الفانية، وتتعلق بالمبادئ الثابتة. 2. أن تقترن الأخوة بالإيمان الذي يمدها بالقوة وهو صمام أمانها ودوامها، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. 3. أن تكون الأخوة قائمة في السراء والضراء، قال الإمام علي رضي الله عنه: إن أخاك الحق من كان معـك * ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدعـك * شتت فيه شمله ليجمعك ثالثا: حقوق الأخوة وردت أحاديث كثيرة تؤكد على حقوق الأخوة في الله، منها: 1. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم)[11]. 2. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشد حبا لصاحبه)[12]. 3. (لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو ان تلقى أخاك بوجه طلق)[13]. 4. (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه)[14]. 5. عن البراء بن عازب قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، وإتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم، وإفشاء السلام...)[15]. 6. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تنافشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، بحسب امرئ من البشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله)[16]. 7. عن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليلي، يلتقيا فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)[17]. 8. (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى...)[18]. 9. (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)[19]. 10. قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)[20]. 11. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)[21]. 12. (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر، عند رأسه ملك مُوَكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)[22]. 13. (من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل)[23]. 14. عن أنس رضي الله عنه أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر رجل فقال: (يا رسول الله إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: فأعلمه، فلحق به فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له)[24]. 15. (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[25]. 16. (المسلم أخ المسلم لا يظلمه ول يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)[26]. 17. (أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قال أنصره مظلوما، فكيف أنصره مظلوما؟ قال: تحجزه عن ظلم فذلك نصره)[27]. 18. (لا يحل لمسلم أن يروع مسلما)[28]. 19. (من نظر إلى مسلم نظرة يخيف فيها بغير حق أخافه الله يوم القيامة)[29]. رابعا: خلاصات نستخلص من تلك الأحاديث النبوية حقوق الأخوة الصادقة، أهمها: 1. إفشاء السلام. 2. رد السلام. 3. إجابة الدعوة. 4. تشميت العاطس. 5. تجنب الأذى المعنوي والمادي. 6. إخلاص الحب والوفاء له في حياته وبعد مماته. 7. ستر العيوب. 8. التغاضي عن الزلات والهفوات. 9. إسداء النصح. 10. إبرار القسم. 11. التيسير عن المعسر. 12. التعاون وقضاء الحوائج. 13. الإيثار على النفس. 14. التناصر إحقاق للحق وإبطالا للباطل. 15. عيادة المريض. 16. إتباعه الجنازة. 17. الدعاء في ظهر الغيب حال حياته وبعد مماته.
[1] - آل عمران 103. [2] - الحجرات 10. [3] - رواه الطبراني. [4] - رواه مسلم. [5] - رواه أحمد والحاكم وصححه. [6] - رواه الترمذي. [7] - رواه البخاري. [8] - رواه مسلم. [9] - رواه أبو داود. [10] - رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. [11] - رواه مسلم. [12] - أخرجه البخاري والحاكم وابن حبان. [13] - رواه مسلم. [14] - رواه مسلم عن أبي هريرة. [15] - متفق عليه. [16] - رواه البخاري. [17] - متفق عليه. [18] - رواه البخاري. [19] - رواه مسلم. [20] - رواه البخاري. [21] - رواه مسلم [22] - رواه مسلم. [23] - رواه مسلم. [24] - رواه أبو داود. [25] - متفق عليه. [26] - متفق عليه. [27] - رواه البخاري. [28] - رواه أبو داود. [29] - رواه الطبراني. |