فقه السنة

 

 

رسالة المسجد

تمهيد:

المسجد مؤسسة دينية: تقام فيه الصلاة ويذكر فيه الله، ومؤسسة اجتماعية يرتاده الناس يساعد فقراءهم ويحل مشكلاتهم، وقد أدى رسالته في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سائر العهود المشرقة من تاريخ الأمة، لذلك يجب على المسلمين في جميع بقاع الأرض أن يعملوا على تحقيق دوره الرسالي ليكون منطلقا أساسيا لنهضة الأمة وحضارتها.

أولا: علو مقام السجود

السجود وضع الجبهة على الأرض خضوعا لله وتعظيما له.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أقرب ما يكون العبد من الله تعالى أن يكون ساجدا) رواه مسلم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿...وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ(19) العلق.

وردت كلمة السجود في القرآن الكريم بصيغ عديدة منها:

§     سَجَدَ:

﴿فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30) الحجر.

§     سَجَدُوا:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34) البقرة.

§     تَسْجُدَ:

﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(12) الأعراف.

§     تَسْجُدُوا:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(37) فصلت.

§     نَسْجُدُ:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا(60) الفرقان.

§     يَسْجُدُ:

﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ(49) النحل.

§     يَسْجُدَان:

﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ(6) الرحمن.

§     يَسْجُدُوا:

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25) النمل.

§     يَسْجُدُون:

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ(206) الأعراف.

§     أَسْجُدْ:

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا(26) الإنسان.

§     اسْجُدُوا:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ(11) الأعراف.

§     اسْجُدي:

﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43) آل عمران.

§     السُّجُود:

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29) الفتح.

§     سَاجدًا:

﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9) الزمر.

§     الساجدون:

﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112) التوبة.

ثانيا: فضل المسجد

فضل الله من الأرض المواضع التي بنيت فيها المساجد، والمسجد هو كل موضع يعبد فيه الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)، ودلت نصوص كثيرة على المقام الرفيع للمسجد وفضله، منها:

1. من القرآن الكريم:

ورود كلمة مسجد في القرآن الكريم في عدة سياقات منها:

﴿...وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ(29) الأعراف.

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(149) البقرة.

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ(15) الإسراء.

﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31) الأعراف.

﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18) الجن.

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ(18) التوبة.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(114) البقرة.

2. من السنة النبوية:

أ- السنة العملية:

- بناء الرسول صلى الله عليه وسلم لمسجد قباء أول مسجد في الإسلام.

- بناء الرسول صلى الله عليه وسلم للمسجد النبوي حيث بركت ناقته في مربد لغلامين يكفلهما أسعد بن زرارة.

ب- السنة القولية:

- عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها) رواه مسلم، وفي رواية أحمد: (أحسن البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق).

- عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من بنى لله مسجدا يذكر فيه بنى الله له بيتا في الجنة) رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه.

- عن عثمان بن عفان أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من بنى مسجدا يبتغي فيه وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة) وفي رواية (بنى الله له مثله في الجنة) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

ثالثا: الترغيب في المشي إلى المساجد

1. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته ثم مضى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة) رواه مسلم، وفي رواية الإمام مالك: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج عامدا إلى الصلاة، فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، فإنه يكتب له باحدى خطوتيه حسنة، ويمحى عنه بالأخرى سيئة).

2. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) رواه مالك، مسلم، الترمذي والنسائي.

3. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا) رواه أحمد، أبو داود وابن ماجه.

4. عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

5.عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (…فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة) وفي رواية أخرى (اللهم اغفر له، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه) رواه البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي وابن ماجه.

6. عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ...ورجل قلبه معلق بالمساجد…) رواه البخاري، مسلم وغيرهما.

7. عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن عُمَّار بيوت الله هم أهل الله عز وجل) رواه الطبراني.

8. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة:… وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة…) رواه البخاري ومسلم.

رابعا: رسالة المسجد ومقاصده

1. المقصد التعبدي: أداء واجب العبودية من صلاة، وتسبيح واستغفار...

2. المقصد الإيماني: تنمية الإيمان بصلاة الجماعة، وبلقاء الإخوان.

3. المقصد التربوي: حراسة القيم وحماية الفضائل، وبناء الرجال والنساء وإعدادهم لحمل رسالة الإسلام.

4. المقصد الاجتماعي: تمتين روابط الأخوة، وتعزيز النسيج الاجتماعي بدعم الفقراء والمساكين، وإصلاح ذات البين...

5. المقصد التعليمي: تعليم علوم الشريعة وسائر العلوم والمعارف.

6. المقصد الدعوي: تبليغ صوت الحق إلى الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.

7. المقصد الحضاري: بناء حضارة إسلامية إنسانية منطلقها المسجد يحيا الناس في ظلالها بسلام.

خامسا: أحكام المسجد وآدابه

1. الدعاء عند دخول المسجد والخروج منه لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك) رواه مسلم.

2. صلاة تحية المسجد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) متفق عليه، والقيام بالطواف عند دخول المسجد الحرام.

3. عدم اختراق الصفوف وتخطي الرقاب.

4. منع دخول المساجد بالجوارب أو بأي ثوب تصدر منه رائحة كريهة، وكذا منع دخولها على من أكل الثوم أو البصل، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أكل من هذه الشجرة - يعني الثوم - فلا يقربن مساجدنا) متفق عليه، وفي رواية أخرى (من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا) متفق عليه.

5. تنظيفه وتطهيره بإخراج الأذى منه، عن أبي هريرة أن امرأة كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها بعد أيام فقيل أنها ماتت فقال: (فهلا آذنتموني، فأتى قبرها فصلى عليها) رواه البخاري، مسلم وابن ماجه.

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البُصَاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) رواه أبو داود، الترمذي والنسائي، وقال أيضا: (التفل في المسجد سيئة، ودفنه حسنة) رواه أحمد.

6. منع التسول لأنه يفقد الخشوع والتركيز في العبادة.

7. عدم جواز البيع والشراء، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك...) رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، والنسائي وابن خُزَيْمَة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

8. عدم جواز التماس الضالة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تُبن لهذا) رواه مسلم.

9. منع اتخاذها قبورا: قال صلى الله عليه وسلم: (قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجدا) متفق عليه.

10. منع كل ما يشوش المصلين ويذهب عنهم الخشوع والسكينة والتدبر من قول أو فعل أو مظهر، مثل: الجدل الصاخب، التشبيك بين الأصابع، رمي الحذاء بشكل يحدث أصواتا مزعجة، النوم، ارتداء لباس فيه دعايات.

سادسا: خلاصات

1. كثرة المساجد دلالة على غيرة الأجداد والآباء على دينهم، فبنوا المساجد والأمجاد وخدموا الدين، وعلينا أن نحافظ عليها ونعمرها ونبني أمجادا على أمجاد.

2. ضرورة فتح المساجد المغلقة بجهود شعبية ورسمية.

3. ضرورة التأطير العلمي للمساجد، بفتح حلقات علم ودروس التوعية، لأن بناء المساجد يتبعه بناء الساجد.

عودة