فقه السنة

 


الــــعـــلـــم (01)

        مقدمة

 

لقد دل الاستقراء لآيات القرآن الكريم وللأحاديث النبوية على ورود كلمات عديدة لها علاقة بالعلم، مثل: "فقه"، "حكمة"، "فكر"، "حجة"، "برهان"، "بينة"... فضلا عن الآيات الصريحة التي تحث على العلم، وترفع من قدر أهله، منها:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5) العلق.

﴿...يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(11) المجادلة.

﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) طه.

﴿...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) فاطر.

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53) فصلت.

ومن مقاصد العلم الكبرى:

¨     تقوية الإيمان.

¨     التعرف على أسرار الكون.

¨     صحة العبادات و المعاملات.

وقد عقد ابن حجر العسقلاني في كتابه " فتح الباري في شرح صحيح البخاري " بابا سماه: باب العلم قبل القول والعمل، لقوله تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ...(19) محمد.

 

أولا:  فضل العلم في السنة النبوية

لقد وردت عشرات الأحاديث الدالة على طلب العلم، وفضل العلماء، منها:

1. عن معاوية قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) رواه بخاري ومسلم.

2. عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول:(من سلك طريقا يبتغي فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) رواه أبو داود والترمذي.

3. عن أنس قال،  قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من خرج في طلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع ) رواه الترمذي.

4. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.

5. و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم، إلا حفّتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، و غشيتهم الرحمة، و ذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.

6. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهّالا فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا) متفق عليه.

أقوال الصحابة رضوان الله عليهم:

1. عن سيدنا عمر رضي الله عنه قال: [العلم ثلاثة: إما آية محكمة، أو سنة هادية، أو الله أعلم].

2. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: [لأن أجلس ساعة فأفقه في ديني أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح].

3. و عن أبي الدرداء قال: [مذاكرة العلم ساعة، خير من قيام الليل].

4. قال الثوري [ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم].

 

ثانيا: شمول العلم في السنة النبوية

إن العلم لا يقصد به علوم الدين والشريعة فقط، بل يشمل العلوم المادية أيضا والقائمة على المشاهدة والتجربة.

فالعلم المادي يعالج المشكلات ويقرب المسافات ويوفر الطاقات، والعلم الشرعي يعصم العلم المادي من الانحراف، ويحول دون استخدامه كأداة تدمير.

نجد أكثر من أربعين حديثا يتناول المسائل الطبية (الطب النبوي)، قال الرسول صلى الله عليه و سلم : (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري، ومن أهم ما ذكرته السنة النبوية الحجامة.

ففي السنة دعوة لتعلم جميع العلوم التي تقوم عليها الدنيا على سبيل فروض الكفاية

 

ثالثا: آداب طلب العلم

 

1. إخلاص النية لله تعالى لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، و إنما لكل امرئ ما نوى...) البخاري ومسلم.

 (لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء) رواه ابن ماجة.

(من تعلم علما مما يُبتغى به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرْف الجنة – ريحها – يوم القيامة) رواه أبو داوود.

2. الاستمرار في طلب العلم لقوله تعالى: ﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) طه.

وفي قصة سيدنا موسى مع عبد الله الخضر مثال على عدم القناعة بالعلم « هل أتبعك على أن تعلمني مما عُلمت رُشدا » الكهف 66.

وكان السلف الصالح أحرص الناس على التزود بالعلم والاستزادة منه،  والحكمة الشائعة: [أطلب العلم من المهد إلى اللحد].

سُئل سفيان بن عيينة: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟ قال: أعلمهم، لأن الخطأ منه أقبح.

3. الصبر على الشدائد: فطريق التحصيل طويل وشاق، لذا لابد من الصبر على الفقر و السهر و السفر و فراق الأحبة...

4. توقير المعلم (الأستاذ): قال الرسول صلى الله عليه و سلم: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا و يرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه) رواه أحمد.

ومن التوقير: 

أ- حسن الاستماع و الصمت.

ب- حسن الجلوس، وعدم إدارة الظهر له.

ج- حسن السؤال: دون حياء أو تكبر، قال ابن شهاب: [العلم خزائن ومفاتيحها السؤال]، وقال مجاهد: [لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر]، وقالت عائشة رضي الله عنها: [نِعم نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين] رواه البخاري.

عودة