فقه السنة

 


الـعلـم (02)

 

رابعا: أخلاقيات أهل العلم

1. الأمانة العلمية: من مظاهرها:

أ- أن ينسب القول أو الفكرة لصاحبها، ولقد عرف هذا في علم الحديث بالإسناد، قال عبد الله بن المبارك: [الإسناد من الدين، و لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء]، وقال الشافعي: [من أسند فقد حمل].

ب- أن لا يجيب بغير علم، فيقول لا أعلم فيما لا يعلم، فليس في العلم خجل أو كبرياء،  قال صلى الله عليه و سلم: (من أُفتِي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة.

و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه [العلم ثلاثة، آية محكمة أو سنة هادية أو الله أعلم].

2.  التواضع: العالم الحق لا يركبه غرور، ولا يستبد به عجب، لأنه يدرك بيقين قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا(85) الإسراء.

ولنا في إمام دار الهجرة مالك بن أنس خير مثال حينما أمره أبو جعفر المنصور قائلا: إني قد عزمت أن آمر بكتبك التي وضعتها – يعني الموطأ – فتنسخ نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها، لا يتعدوها إلى غيرها... فإني رأيت أصل هذا العلم رواية أهل المدينة وعلمهم. قال: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودانوا به... فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل بلد لأنفسهم.

3. العزة: من أخلاق أهل العلم العزة خاصة في مواجهة المستكبرين بالسلطان أو بالثروة أو القوة،  قال الله عز و جل: ﴿...وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ(8) المنافقون.

4. العمل بمقتضى العلم، قال تعالى:  ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ(3) الصف، كان يتعوذ النبي صلى الله عليه و سلم بقوله: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها) رواه مسلم.

5. الحرص على نشر العلم و بيانه: قال صلى الله عليه و سلم:

 (وليبلغ الشاهد منكم الغائب) متفق عليه، وهو ما ختم به الرسول صلى الله عليه وسلم كلامه في حجة الوداع.

(بلغوا عني و لو آية) رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو.

(من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة.

قال العلماء: [لا خير في عمل لا ينفع، ولا خير في علم لا ينفق منه].

6. الشعور بالمسؤولية:

أ- أمام الله يوم القيامة، فيسأل عن نيته في طلب العلم وعن عمله بما علم.

ب- أمام علمه: المحافظة عليه بمراجعته وتحقيقه وتعميقه والاستزادة منه ﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) طه.

ج- مسؤولية تعليمه وحسن بيانه باختيار أحسن الطرائق.

د- المسؤولية عن الأخطاء وتقبل النقد و تحسين علمه باستمرار.

 

خامسا: التعاليم النبوية والعلم

1. تكوين العقلية العلمية: فديننا دين نظام وميزان ومنهج، قال تعالى: ﴿...لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا...(48) المائدة.

 وينتج عن ذلك اكتساب: منهجية التفكير والتعبير والتحرير.

أ- لا تقبل دعوى بغير دليل، والدليل هو:

¨          البرهان العقلي في العقليات.

¨          المشاهدة و التجربة في الحسيات.

¨          صحة النقل في المرويات.

قال تعالى: ﴿... قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(111) البقرة.

ب- رفض الظن في موضع يطلب فيه اليقين: قال تعالى:﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا(28) النجم، وقال صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه.

ج- رفض العواطف والأهواء حيث يطلب الحياد والموضوعية ﴿...وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...ِ(26) ص.

د- رفض التبعية والتقليد الأعمى، قال الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يكن أحدكم إمعة يقول: أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت، وإن أساؤوا أسأت،  ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا ألا تظلموا) رواه الترمذي.

2. اعتماد أسلوب الإحصاء: وقد اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا: (أحصوا لي كم يَلفظ الإسلام) رواه البخاري ومسلم، و كان يأمر بإحصاء جيوش العدو في الغزوات.

3. اعتماد أسلوب التخطيط الاستراتيجي: وهذا يحقق الأهداف، ويقتصد في الطاقات وفي الأوقات لتسيير المستقبل.

ومن أمثلة ذلك من القرآن قصة سيدنا يوسف عليه السلام حيث خطط للاقتصاد الزراعي لمدة 15 سنة لمواجهة أزمة غذائية عامة سورة يوسف 47- 49.

4. النزول عند رأي الخبراء: قال تعالى:

﴿...فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا(59) الفرقان.

﴿... فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(43) النحل.

﴿... وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)فاطر.

وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نزل عند رأي الحباب بن المنذر في غزوة بدر بشأن تموقع جيوش المسلمين. 

5. رفض الخرافات والشعوذة والسحر: قال صلى الله عليه وسلم (من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة.

سادسا: خلاصات

1. لا صراع في الإسلام ولا تناقض بين العلم والإيمان.

2. العلم النافع هو الذي يرتبط بالإيمان، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) العلق.

3. رفض القناعة في العلم، قال تعالى: ﴿...وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(114) طه.

4. استثمار الوقت من أجل التحصيل العلمي.

5. العلم يحتاج إلى جهد كبير وعناء.

6. العلم ركيزة من ركائز الحضارة.

7. العلم وسيلة لنشر الإسلام ونصرته: قال تعالى: ﴿...إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ...(28) فاطر..

عودة