فقه السنة

 

 

الشريعة الإسلامية بين الثبات والمرونة (01) 

 

تمهيد

إن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان وإنسان، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(18) الجاثية.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ(107) الأنبياء.

ومن خصائصها الجمع بين الثبات والمرونة:

فمنطقة الثبات (دائرة القطعيات) تضمن استقرار ورسوخ العقيدة وقوة البنيان المعنوي للإنسان والمجتمع...، وتتجلى في المصادر الأصلية للشريعة: القرآن الكريم والسنة النبوية.

أما منطقة المرونة (دائرة الظنيات)  فهي تسمح للشريعة بالتكيف مع المستجدات ومسايرة المستحدثات خاصة مع كثرة الثورات العلمية المعاصرة: الإعلامية، البيولوجية، التكنولوجية... وتتجلى في المصادر الاجتهادية: الاستحسان، المصالح المرسلة...

 

أولا: منطقة الثبات (القطعيات)

وردت نصوص شرعية دالة على محكمات الشريعة قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ...(7) آل عمران، وهذه النصوص استوعبت المجالات الآتية:

1. في مجال العقيدة: ترسيخ عقيدة التوحيد والإيمان بالرسل والملائكة والكتب واليوم الآخر... قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا(136) النساء.

2. في مجال العبادات: التأكيد على أركان الإسلام، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله و إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) رواه البخاري ومسلم.

 3. في مجال المعاملات: بيان الحلال والحرام، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وغن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، لقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث والمضار مثل: قتل النفس، السحر، الربا، شهادة الزور...

كما وردت أحكام كلية ثابتة في الزواج والطلاق والميراث والحدود والقصاص... قال الشاطبي في الموافقات: [...فذلك الحكم الكلي باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها].

4. في مجال الأخلاق: أكدت نصوص محكمة في الكتاب والسنة على أمهات الفضائل والأخلاق التي تحفظ المجتمع المسلم من التمزق والفساد مثل: الوفاء والأمانة والصدق...

عودة