|
الشريعة
الإسلامية بين الثبات والمرونة (02)

ثانيا:
منطقة المرونة (الظنيات)
اقتضت حكمة الله تعالى ترك منطقة عفو بلا أحكام قطعية تيسيرا على الناس
ومراعاة لأحوالهم المتجددة، فجاءت نصوص متشابهة قابلة لتعدد التأويل تكيفا مع
المستجدات وتغير الظروف، قال تعالى: ﴿...وَأُخَرُ
مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا
الَّذِينَ
في
قُلُوبِهِمْ
زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ
مَا
تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاء
الْفِتْنَةِ
وَابْتِغَاء
تَأْوِيلِهِ
وَمَا
يَعْلَمُ
تَأْوِيلَهُ
إِلاَّ
اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ
فِي
الْعِلْمِ
يَقُولُونَ
آمَنَّا
بِهِ
كُلٌّ
مِّنْ
عِندِ
رَبِّنَا
وَمَا
يَذَّكَّرُ إِلاَّ
أُوْلُواْ
الألْبَابِ(7)﴾
آل عمران.
وقد وجدت هذه الدائرة لعدة أسباب،
منها:
1. وجود منطقة عفو في القرآن والسنة:
وهي المنطقة المتروكة قصدا دون إباحة أو تحريم، قال صلى الله عليه وسلم:
(إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض أشياء فلا
تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا
تبحثوا عنها)
رواه الدارقطني وحسنه الإمام النووي.
وحينما سئل عن الحج: [أفي كل عام يا رسول الله؟] قال: (لو
قلت نعم لوجبت، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم،
واختلافهم على أنبيائهم)
رواه الشيخان وأحمد في مسنده.
وقال أيضا: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال،
وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم
يكن لينسى شيئا) رواه البزار، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ
رَبُّكَ
نَسِيًّا(64)﴾
مريم.
ومنطقة العفو تعتبر فراغا يتم سده بما يلي:
أ- القياس: وهو مصدر من مصادر التشريع، ومثاله: تحريم كل أنواع
التجارة والعقود عند النداء لصلاة الجمعة قياسا على البيع، قال تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا
الَّذِينَ
آمَنُوا
إِذَا
نُودِي
لِلصَّلَاةِ
مِن
يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا
إِلَى
ذِكْرِ
اللَّهِ
وَذَرُوا
الْبَيْعَ
ذَلِكُمْ
خَيْرٌ
لَّكُمْ
إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(9)﴾
الجمعة.
ب. الاستصلاح (المصالح المرسلة): وهي مسائل لا دليل عليها في الكتاب
والسنة يعتبرها أو يلغيها، فهي مسائل حرة مرسلة، ومن أمثلتها:
- جمع القرآن الكريم في مصحف واحد.
- وضع قواعد اللغة العربية بأمر من الإمام علي كرم الله وجهه لأبي الأسود
الدُّؤَلِي.
- ومن المسائل الجديدة تشريع قانون المرور لحفظ النفوس والعقول والأموال.
ج. العرف: ما اعتاده الناس وتواضعوا عليه في أمور حياتهم، واطمأنوا
إليه سواء كان عرفا قوليا أو عمليا، عاما أو خاصا كالأعراف التجارية وأعراف
الزواج.
2. تقرير النصوص الشرعية لمبادئ (أحكام) كلية:
قرر الشرع مجموعة قواعد بلا تفصيلات ولا بيان كيفيات، ومن أمثلتها:
أ- مبدأ الشورى: تقرر بقوله تعالى: ﴿...وَأَمْرُهُمْ
شُورَى
بَيْنَهُمْ...(38)﴾
الشورى، لكن تطبيقه متروك للتطور الفكري للمجتمع الإسلامي، فتختلف أساليبه
وكيفياته باختلاف الزمان والمكان.
ب- مبدأ العدل: وتقرر بنصوص منها قوله تعالى: ﴿...وَإِذَا
حَكَمْتُم
بَيْنَ النَّاسِ
أَن
تَحْكُمُواْ
بِالْعَدْلِ...(58)﴾
النساء، أما الصيغ التنفيذية لمبدأ العدل وتعدد درجات التقاضي وغيرها من
المسائل متروكة لأهل العلم والخبرة فيتواضعون على كل ما ييسر تطبيق مبدأ
العدل.
3. مراعاة الأعذار والضرورات المختلفة:
شرعت أحكام تناسبها، تطبيقا لمبدأ رفع الحرج الثابت بنصوص منها:
﴿...يُرِيدُ
اللّهُ
بِكُمُ
الْيُسْرَ
وَلاَ
يُرِيدُ
بِكُمُ الْعُسْرَ…
(185)﴾
البقرة.
﴿يُرِيدُ
اللّهُ
أَن
يُخَفِّفَ عَنكُمْ
وَخُلِقَ
الإِنسَانُ
ضَعِيفًا(28)﴾
النساء.
﴿ (60)﴾ المائدة.
لذلك تم تقرير الرخص والتخفيفات المختلفة بسبب المرض والسفر وغيرهما.
4. تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والإنسان والأحوال:
يقول ابن قيم الجوزية في كتابه إعلام الموقعين في المجلد الثالث الصفحة 3:
فصل تغير الفتوى واختلافها حسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات
والعوائد: [هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة
أوجد من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة
التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم
مصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة ومصالح كلها وحكمة كلها،
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، والرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى
المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل،
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة
عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي
أبصر به المبصرون، وهداه الذي فيه دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من
استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل].
رابعا:
خلاصات
1. احتواء الشريعة الإسلامية على أحكام ثابتة تضمن استقرار الأحكام ورسوخها.
2. اشتمال الشريعة على نصوص مرنة لتستجيب لمستجدات الإنسان ومستحدثات الزمان
وتحقق صلاحيتها لكل زمان ومكان.
3. إخراج الأمة من ألوان الضيق والحرج الحاصل بسبب التطور العلمي الهائل، من
أمثلة ذلك: جواز التبرع بالدم وبالأعضاء بشروط شرعية. |