فقه السنة

 

 

الزكاة (1)

 

تمهيد

الزكاة عبادة مالية واجتماعية، وشعيرة من شعائر الإسلام الكبرى، وهي الركن الثالث في الإسلام وذلك لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث، منها:

عن ابن عمر رضي الله عنهما (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا) متفق عليه.

حديث جبريل لما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم: ما الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله أن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا) متفق عليه.

 

أولا: معنى الزكاة والصدقة

1. لغة: مصدرها زكا، يقال زكا الشيء إذا نما وزاد.

وفي لسان العرب الزكاة معناها الطهارة والنماء والبركة...

2. شرعا: هي الحصة المقدرة من المال التي فرضها الله للمستحقين.

الصدقة بمعنى الزكاة: قال الماوردي في الأحكام السلطانية الباب 11 ولاية الصدقات: الصدقة زكاة والزكاة صدقة يفترق الاسم ويتفق المسمى.

وقد تأكد في نصوص شرعية منها:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ التوبة 103.

﴿أََلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ التوبة 104.

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ التوبة 06.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) رواه مسلم وأحمد.

 

ثانيا: فرضيتها

فُرضت الزكاة في مكة ولكن لم تكن مقدرة بل كانت مطلقة، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ. فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ. عَنْ الْمُجْرِمِينَ. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ المدثر 38-44.

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ الذاريات 19.

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ المعارج 24-25.

ثم فرضت الزكاة في السنة الثانية للهجرة قال تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ البقرة 110.

﴿...فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة 5.

﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ التوبة 11.

لقد ذكر الله تعالى الزكاة ثلاثين مرة، وفي سبع وعشرين منها مقترنة بالصلاة في آية واحدة، وردت 8 مرات في السور المكية، و22 مرة في السور المدنية.

لقد جاءت الزكاة في القرآن الكريم كحكم كلي فصلته السنة النبوية قولا وعملا.

 

ثالثا: التحذير من منع الزكاة

1. العذاب الأخروي:

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مَثُل له يوم القيامة شُجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه – يعني شدقيه – ثم يقول: أنا مالُك أنا كنزك) ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ آل عمران 180.

عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أحمي عليها في نار جهنم فيُكوى بها جنبه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) رواه مسلم.

2. العذاب الدنيوي:

الجوع والقحط، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين) رواه الطبراني، يراد بالسنين: القحط والمجاعة.

(ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجة.

3. العقاب الشرعي القانوني:

يتولاه الحاكم حين يمنع الناس أداءها، وهذا ما فعله أبو بكر الصديق، روى أبو هريرة: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكفر من كفر من العرب... فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى) فقال: [والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا (عقالا) كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها] فقال عمر: [فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق] رواه الجماعة إلا ابن ماجه.

 

رابعا: شروط المال الذي تجب فيه الزكاة

1. الملك التام للمال: وهو المال الحلال الذي يملكه صاحبه سواء كان من عمل بدني أو فكري أو ميراث أو وصية أو هبة لقوله تعالى ﴿...وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ الحديد 7.

2. القابلية للنماء: أي الأموال التي تعود على صاحبها بالربح: الأنعام والنقود وعروض التجارة...

3. بلوغ النصاب: وهو المقدار الذي حدده الشرع في كل نوع من أنواع المال.

4. الفضل عن الحوائج الأصلية.

5. حولان الحول بالنسبة للنقود والسلع التجارية والأنعام، أما الزروع والثمار فزكاتها يوم حصادها أو جنيها.

عودة