|
|
|
|
سورة البقرة |
|
|
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
المناسبة: ذكر رسولنا صلى الله عليه وسلم النبي سليمان عليه السلام ضمن المرسلين، فقال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبيا، بل هو ساحر، فأنزل الله ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ التفسير: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ تأكيد لمصدر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهو الله تعالى. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ موافقا لما جاء في التوراة التي بين أيديهم (في أصول الدين) وهذا قبل تحريفها. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نقض أحبارهم وعلماؤهم ما في التوراة وأعرضوا عن التوراة والقرآن الكريم. ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ تأكيد على صحته فهو من عنده. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ كناية عن إعراضهم الشديد. ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إثباتا لجرمهم، فالخطأ على علم الجرم أكبر. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ نبذوا الوحي (القرآن والتوراة) واتبعوا السحر عن عهد سليمان بن داود فنسبوا معجزاته إلى السحر بهتانا وظلما. قام المردة من الشياطين بكتابة كتاب ضمنوه ألوانا من السحر والشعوذة نسبوه إلى كاتب سليمان "آصف" ودفنوه تحت كرسي سليمان، ولما مات تعاون شياطين الإنس والجن فأخرجوه وأعلنوا في الناس أن سليمان كان يستعمل السحر. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تبرئة لسليمان عليه السلام من السحر والكفر، وإثباتا لكفر الساحر، تتطبيقا لمقررات علم الأصول في مفهوم الموافقة. ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بسبب تعليمهم الناس السحر، فالسحر من عمل الشياطين. ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ قصد إضلالهم. ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾ بأرض الكوفة، قال القرطبي ما نافية، ولقد كثر السحر في عهد سليمان حتى اختلط على الناس بالمعجزات. ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ ملكان أنزلهما الله ابتلاء للناس واختبارا لهم، فقد بعثهما لتعليم الناس أنواع السحر، الذي كان مستقرا بينهم لكثرة السحرة الذين يدعون النبوة أحيانا، فيستطيع الناس التمييز بين معجزات الأنبياء وسحر السحرة. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ فحين يعلمان أحدا من الناس السحر يخبرانه بأنهما ابتلاء فهما يبذلان النصح لهم ألا يكفروا، وذلك تأكيد على أن السحر كفر. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾ أي من السحر ما يحدثون به الشقاق والفراق. ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وهو نموذج لأضرارهم على سبيل التمثيل لا الحصر. ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تأكيد على عقيدة التوكل على الله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (يا غلام! أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ فلا خير في السحر ولا نفع. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي اليهود نبذوا كتاب الله وآثروا السحر، فلا حظ ولا نصيب لهم من رحمة الله وجنته. ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ باعوا أنفسهم وإيمانهم بالسحر، وهي تجارة خاسرة. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فالإيمان والتقوى يحولان دون الإضرار بالغير، أما السحر يؤدي إلى الهلاك والتباب. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ خطاب موجه للمؤمنين، وينهاهم عن قول "راعنا" فأصل هذه الكلمة من الرعاية والمراعاة حرفها اليهود فجعلوها مشتقة من الرعونة، وفي العبرية كلمة تشبهها تفيد السب والشتيمة، فصار اليهود يقولونها للرسول صلى الله عليه وسلم بنية الشتم. ﴿وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ من النظر والانتظار حتى يحفظوا ما يتلى عليهم. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تهديد لليهود وغيرهم ا أن لهم عذاب موجع. ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لا يريد اليهود ولا النصارى ولا المشركون أن يؤتي الله المؤمنين خيرا حسدا من عند أنفسهم. ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي بالنبوة والوحي، وهي أعظم رحمة ينزلها رب العباد على عباده. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فالله واسع الفضل فسيح الرحمة. |