سورة البقرة

 

 

من الآية 165 إلى 173

 

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ(166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ(167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(173)

 

تتضمن هذه الآيات المسائل التالية:

1.     عدم جواز اتخاذ الأنداد لله تعالى.

2.     وجوب حب الله سبحانه .

3.     تبرؤ رؤساء الشرك والكفر من أتباعهم يوم القيامة.

4.     وجوب طلب الحلال الطيب.

5.     حرمة إتباع مسالك الشيطان.

6.     حرمة التقليد الأعمى.

7.     حرمة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله.

8.     الضرورات تبيح المحظورات.

 

التفسير:

﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ اتخذ بعض الناس أوثانا وأندادا لله يحبونها كما يحب المؤمن الله تعالى.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ بين الله الحب الحقيقي وهو حب المؤمنين لله.

﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ فالمشركون قد أعد الله لهم عذابا شديدا فحين يرونه يدركون أن الله تعالى صاحب القوة المطلقة، والعذاب الشديد.

وقد سماهم الله تعالى ظالمين فهم قد ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان بالله تعالى، في حديث ابن مسعود: [قلت أي الذنب أعظم يا رسول الله؟ قال: (أن تجعل لله ندّا وهو خلقك)].

وقد ذكر الله بعض صفات جلاله عسى أن يهتدي الظالمون.

﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ تبرأ رؤساء الشرك من أتباعهم وتقطعت بينهم كل الروابط والصلات التي كانت تجمعهم في الدنيا.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا تمنى الأتباع لو أن لهم رجعة إلى الدنيا فينتقموا من أسيادهم فلا يتبعونهم.

﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ توعد الله الأسياد والأتباع بخراب أعمالهم السيئة في الدنيا، إذ تصبح حسرات عليهم، ولا ينفعهم الندم يوم القيامة، ومصيرهم الخلود في جهنم.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا يخاطب الله كل الناس فأمرهم أن يكتفوا بالطيب الحلال الذي لا يضر بالأبدان والعقول.

عن أبي هريرة قال: [ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(51) المؤمنون].

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ينهاهم الله أن يتبعوا خطوات الشيطان فيما يزينه لهم من المعاصي والفواحش ﴿...وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(43)﴾ الأنعام.

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يحرض الشيطان أتباعه أن يفتروا على الله بتحريم ما أحل، وتحليل ما حرم.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ وإذا دعي المشركون إلى الإيمان بالله تمسكوا بما وجدوا عليه آباءهم، فرد الله عليهم أن لا عقل لهم ولا بصيرة ولا إدراك، وهذه صورة للتقليد المقيت، فكل ما تركه الأولون يمحص ويوزن بميزان الشرع، فما كان موافقا له عمل به، ويرد ما يخالفه.

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُون شبه الله الذين لا ينتفعون بآي القرآن وحججه بالبهائم السارحة التي لا تفقه النعيق (صياح راعيها) فتتبعه عادة وتقليدا، فهم صم عن سماع الحق، خرس عن النطق به، عمي لا يبصرونه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ يأمر الله تعالى المؤمنين أن يلتمسوا الحلال الطيب، وأن يشكروا الله على ما رزقهم من النعم فالشكر يديمها.

﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ يعدد الله ما حظر على المؤمنين تناوله منها:

- الميتة: ما مات من الحيوان بلا ذكاة، مثل المنخنقة (الحيوان الميت خنقا) والموقوذة (الميت ضربا) والمتردية (الميت سقوطا) والنطيحة (الميت نطحا).

- الدم المسفوح السائل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحِلّت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: السمك والجراد، والدمان: الكبد والطحال)، وقال أيضا لما سئل عن الوضوء بماء البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).

- لحم الخنزير.

- ما أهل لغير الله: ما ذبح لغير الله، كأن تذبح للأصنام.

ذكر الله المحرمات ولم يعدد الطيبات لأن دائرة الحلال أوسع من دائرة الحرام.

﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أباح الله للمضطر تناول المحرم دون تجاوز مقدار الحاجة وهي إنقاذ النفس من الهلاك، وهو ما أكده الله في قوله: ﴿...فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(3)  المائدة.

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فالله تعالى غفور لإثم المضطر ورحيم بإباحته تناول المُحرَّم للضرورة.

وقد صاغ الفقهاء من تلك الآيات جملة من القواعد الفقهية، منها:

- إذا ضاق الأمر اتسع.

- الضرورات تبيح المحظورات.

- الضرورة تقدر بقدرها.

عودة