سورة البقرة

 

 

الآيات من 185 إلى 188

 

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر َيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم ْوَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

 

تتناول هذه الآيات ما يلي:

1.      بعض أحكام الصيام.

2.      الدعاء.

3.      أكل المال بالباطل.

 

التفسير:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَان فرض الله الصيام وبين وقته وهو شهر رمضان (الشهر التاسع من الأشهر القمرية)، وقد ذكره الله باسمه تشريفا له، ففيه بدأ نزول القرآن الكريم، ولم يكن صيام رمضان فرضا منذ نزوله، بل تم ذلك في السنة الثانية للهجرة.

وبين الله تعالى أن القرآن الكريم هداية من كل ضلال، فيه آيات واضحات تفرق بين الحق والباطل، بين النور والظلام.

﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر من حضر الشهر وجب عليه صيامه، إلا أصحاب الأعذار فعليهم القضاء في أيام أخرى.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ يريد الله التخفيف والتسهيل على عباده بترخيص الفطر في رمضان لأصحاب الأعذار، وهذا من التيسير ورفع الحرج الثابت في شرع الله تعالى، قال تعالى:

﴿...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...(78) الحج.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا(28) النساء.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) حديث صحيح.

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ تتمة عدة شهر رمضان بقضاء ما أُفطِر لعذر.

﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ تكبيرا في صلاة العيد وتعظيما لله وحمدا له على الهداية إلى معالم الدين وأفضاله.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ سأل بعض الأعراب النبي عليه الصلاة والسلام عن الله: [أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟]، فأنزل الله قوله، مخبرا أنه قريب، وفي آية أخرى يقول: ﴿...وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ(16) ق، فالله تولى الإجابة بنفسه إشعارا بقربه.

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي إعلان أن الله يجيب السائل بلا واسطة، وهو وعد من المولى عز وجل الذي لا يخلف وعوده، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ(60) غافر.

قال الحافظ بن كثير: [...تخللت آية الدعاء أحكام الصيام ارشادا إلى الاجتهاد في الدعاء عند كل فطر للحديث الشريف: (إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد).

 قال صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) رواه أبو داوود والترمذي عن النعمان بن بشير، وقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على الأدعية في كل زمان ومكان: الاستيقاظ، السفر، عند نزول الغيث، دبر الصلوات...

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي استجابة لدعوة الإيمان بالله وطاعته.

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ والرشد هو معرفة الإنسان لما ينفعه في العاجل والآجل، وأكبر معرفة هي معرفة الله تعالى.

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ أحل الله المعاشرة الزوجية ليلة الصيام، ووظف لفظة "لباس" على سبيل الاستعارة، بمعنى السكن والستر.

﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُم ْ كان بعض المسلمين يخونون أنفسهم بالتفكير بالجماع ليلة الصيام أو ممارسته فعلا، وقد كان ممنوعا في صدر الإسلام، ولكن رحمة الله أدركتهم فعفا عنهم، وأحل المعاشرة طلبا للولد والأجر، فنسخ الحكم السابق.

﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ إباحة الأكل والشرب حتى يتم التحقق من بياض الصبح من سواد الليل، لذلك يسن تأخير السّحور.

﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ نهى الله عن معاشرة النساء بالنسبة للعاكف سواء في الليل أو النهار.

والاعتكاف من سنن الإسلام، وهو ملازمة المسجد للعبادة، ويستحب في العشر الأواخر من رمضان، وأقله يوم وليلة.

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فهذه الأحكام شرعها الله تعالى، واعتبرها حدودا لا يجوز مخالفتها.

﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ نهى الله تعالى عن أكل المال بالحرام، ومن أشكاله: الغصب، السرقة، القمار، الرشوة، الربا...

﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ خص الله الرشوة بالذكر الذي هو تقديم مال لصاحب حكم أو سلطة، لأن الحكام ييسرون لهم أكل أموال الغير بالباطل.

عودة