|
|
|
|
سورة البقرة |
|
|
الآيات من 204 إلى 212
﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206) وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ(207) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(209) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212)﴾.
تتناول هذه الآيات ما يلي: 1. صنف المنافقين. 2. صنف الذين باعوا أنفسهم لله تعالى.
المناسبة: رُوي أن الأخنس بن شريق أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأظهر له الإسلام وحلف أنه يحبه، وكان منافقا، وخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر بزرعٍ لقوم من المسلمين وحمر فأحرق الزرع وقتل الحمر، فنزلت هذه الآيات تمثيلا لفئة المنافقين.
التفسير: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يخاطب الله تعالى نبيه الكريم ويحذره من المنافقين الذين يدعون الإيمان بألسنة خلابة وهم يبطنون الكفر، ويخدعون الناس في الدنيا، لكن الله تعالى يفضحهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)﴾ النساء. ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ يحلف بالله إثباتا لإيمانه، لكن الله أثبت أنه أشد الناس كفرا ونفاقا. ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ فحين انصرف هذا المنافق من عند النبي صلى الله عليه وسلم عاث في الأرض فسادا (معنويا وماديا)، ومن إفساده حرقه للزرع وقتله للأنعام. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ فالله يمقت الفساد والمفسدين، ويستنفر قلوب المؤمنين للابتعاد عنه. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ إذا وعظ فإنه يتكبر عن الحق ومنعته الأنفة والحمية من الركون إليه، ويتعلق بالإثم، وهذه صفة من صفات المنافقين وبعض المذنبين. ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ فجزاء المنافقين هو جهنم يفترشها يوم القيامة. ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ يتحدث الله عز وجل عن صنف آخر هم المؤمنون الأتقياء، ومناسبة هذه الآية أن صهيب الرومي الذي اعتنق الإسلام ودخل في رحابه، لما أراد الهجرة إلى المدينة المنورة لحقه نفر من مشركي قريش ليردوه... وقالوا له: [جئتنا صعلوكا لا تملك شيئا، وأنت الآن ذو مال كثير]، فقال: [أرأيتم إن دللتكم على مالي تَخْلُون سبيلي؟] قالوا: [نعم]، فدلهم على ماله بمكة، فلما قدم المدينة دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: (ربح البيعَ صهيب، ربح البيعَ صهيب) وأنزل الله فيه: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ...﴾ فصهيب باع نفسه لله وهو نموذج من الأبرار الأخيار. ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ومن دلائل رأفته ورحمته: مضاعفة الحسنات، والعفو عن السيئات، وعدم التعجيل بالعقوبات فهو يمهل ولا يهمل ومن أسمائه الحسنى "الصبور". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ دعوة المؤمنين للدخول في الإسلام والخضوع لجميع أحكامه: عقيدة وعبادة وأخلاقا وشريعة دون الفصل بينها. ويعيش المسلم بإسلامه راحة وسلاما مع نفسه ومع الناس ومع سائر المخلوقات. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يحذر الله عباده المؤمنين من مكائد الشيطان وحبائله، ويؤكد على العداوة الدائمة بين الشيطان والإنسان. ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ من انحرف من بعدما جاءته الحجج القاطعة ينتقم الله منه لأنه صاحب القدرة المطلقة فلا يعجزه شيء. ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ استفهام موجه لأولئك المترددين والمشركين وينهاهم من أن يفوتوا فرصة الحياة الدنيا فلا يؤمنوا، ففي يوم القيامة لا ينفعهم إيمانهم الاضطراري. أما فيما يخص مجيء الله فالكيف مجهول نؤمن به من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل وهو مذهب السلف. أما الملائكة فهم حملة العرش وآخرون. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ يوم الفزع الأكبر يفصل الله في كل الأمور، ويكون الناس فريقين: فريق في الجنة وفريق في النار. ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ يأمر الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن يسأل اليهود عن آيات ومعجزات موسى وذلك توبيخا وتقريعا لهم. ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ توعد الله الذين يجحدون نعمه بمصير كمصير بني إسرائيل، خاصة الجحود الحاصل بعد البيان. ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حبب إلى الكافرين الشهوات والملذات، واتهموا المؤمنين بقلة العقل والسفاهة وعدم إدراكهم لمصالحهم لأنهم أقبلوا على الآخرة. ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تأكيد على المنزلة الرفيعة والمقام العالي للمؤمنين المتقين، عكس الساخرين منهم الذين يكون مصيرهم أسفل سافلين. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فهو صاحب الخزائن يؤتي من فضله من يشاء في الدنيا والآخرة. |