|
|
|
|
سورة البقرة |
|
|
الآيات من 261 إلى 267
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ(263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ(264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(267)﴾
تتناول هذه الآيات موضوع المال، وهو أمر ضروري في الحياة وقد يستخدم لأغراض شتى منها: - الاكتناز. - الطغيان على العباد (أفرادا ودولا). - امتصاص دماء الضعفاء عن طريق الربا وغيره. - الإفساد في الأرض. - الإصلاح.
سبب التنزيل: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، ففي غزوة تبوك جهز عثمان جيش العسرة بألف بعير ووضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ألف دينار فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم)، وأتى عبد الرحمن بن عوف النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم قائلا: [...أقرضتها لربي]، وأمسك لنفسه وعياله أربعة آلاف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت).
التفسير: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ افتتح الله تعالى الآية باستجاشة مشاعر المؤمنين الخيرة بالحض على الإنفاق والترغيب فيه بتشبيه المنفقين في سبيل الله بحبة سنبلة التي ترمز إلى كثرة العطاء، والله يضاعف ثوابهم فهو المنعم واسع الفضل، ويعلم نية المنفقين فبقدر النية يكون الثواب، فرب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يؤكد الله تعالى على إخلاص النية لله في الإنفاق فلا يؤذي كرامة المنفَق عليه ولا يخدش شعوره. وبشر المنفقين المخلصين بالثواب الجزيل، والأمن من الفزع يوم القيامة، فلا يخافون من فقر، ولا يحزنون على ما فاتهم من إنفاق- لأنهم موقنون أن الله سيخلفه. ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ أمر تعالى برد السائل بطريقة حسنة لا تجرح مشاعره والصفح عند إلحاحه في الطلب، وهذا خير من صدقة يتصدقها يتبعها بالمن والتجريح تهذيبا لنفوس المتصدقين. ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ فالله مستغن عن خلقه، وحليم عليهم فلا يعجل بالعقوبة لمن خالف أوامره فهو يمهل ولا يهمل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ نهى الله عز وجل المؤمنين عن إحباط أجر الصدقات وتضييع ثوابها بالمن والأذى، فالمن شعور كريه ينبئ عن استعلاء المعطي وكبره وبعده عن الله ويلحق الأذى بالآخذ فينكسر وينهزم ويتولد لديه شعور بالانتقام، وهو في النهاية ماحق للثواب ممزق للمجتمع. ﴿كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ضرب الله مثلا عن المرائي الذي لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا كحجر أملس عليه شيء من التراب نزل عليه المطر فأزال عنه ذلك التراب فكذلك المرائي تزول عنه الحسنات وذلك جزاؤه لأن الله لا يهدي القوم الكافرين إلى طريق الرشاد. ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ينتقل الله تعالى إلى وصف المؤمنين الذين ينفقون أموالهم في سبيله وهو موقنون أن الله تعالى سيجازيهم ثوابا، فشبههم ببستان بمكان مرتفع من الأرض أصابه مطر غزير فأثمر ضعفين، وإن أصابه مطر خفيف أو لامسه الندى فهو يثمر لموقعه وجودته، والله تعالى عليم بأعمال عباده. ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ يرغب عز وجل في الإنفاق لوجهه الكريم والابتعاد عن الرياء، بتشبيه المرائي أو المنان في حرمانه ثمرة إنفاقه بمن يملك جنة مثمرة فأصابته الشيخوخة فعجز عن الكسب وترك أولادا ضعفاء، وأهلكت جنته نار تحملها ريح عاصف. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فهذه عظات وعبر لنهاية محزنة لكل من أراد أن ينفق ماله رياء. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ دعوة لكل المؤمنين أن ينفقوا من مالهم الحلال ومن خيرات الأرض بانتقاء أجودها دون رديئها. ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يبين الله تعالى أن الآخذ للصدقات لا يقبلها إلا مع إغماض البصر لردائتها، لذلك لابد من التصدق بأجودها ضمانا للأجر الحسن ورفعا للحرج. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ فالله عز وجل مستغن عن الناس وهو حميد تفيض نعمه على العباد ، ويجازي المحسنين الجزاء الحسن. |