|
|
|
|
سورة البقرة |
|
|
الآيات من 275 إلى 281
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275) يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ(279) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(280) وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(281)﴾
تدور معاني هذه الآيات حول موضوع الربا، وهو موضوع مهم وخطير لأنه يمس صميم الاقتصاد، لذا جاءت تفاصيله في الكتاب والسنة، والربا نتاج الفكر اليهودي القائل: (لا تنمية إلا باقتصاد، ولا اقتصاد إلا ببنوك، ولا بنوك إلا بفوائد)، وقد كرسوا جهودهم وسخروا إمكاناتهم من أجل التمكين للنظام الربوي في المؤسسات المالية عبر العالم. أولا: تعريف الربا أ- لغة: رَبَا يربو ربوة وربَا، والربوة هي الهضبة المرتفعة عن الأرض والربا هو الزيادة. ب- شرعا: هو الزيادة في المال، وهو من الموبقات السبع المنهي عنها شرعا. ثانيا: أنواعه 1. ربا النسيئة: وهو الزيادة في المال مقابل الإمهال في المدة، أو قرض مؤجل بزيادة مشروطة، انتشر في الجاهلية، فكان يقال للمدين (أتقضي أم تربي؟). 2. ربا الفضل: يقع بين شيئين من نفس النوع مع الزيادة، كبيع الذهب بالذهب والقمح بالقمح، قال صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثل بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، والآخذ والمعطي فيه سواء) رواه البخاري وأحمد.، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض... ولا تبيعوا الورقة بالورقة إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منهما غائبا بناجز) متفق عليه. ثالثا: خصائص النظام الربوي 1- استخدام وسائل غير مشروعة لبلوغ غايات غير مشروعة. 2- إهمال القيم والمبادئ. 3- الاهتمام بتنمية الثروة ولو على حساب الأفراد والأمم. 4- اتساع دائرة ضرر المعاملات الربوية في عالم اليوم بسبب النفوذ الكبير للمرابين في المؤسسات المالية وفي أجهزة الحكم ومراكز صنع القرار. رابعا: النظام الاقتصادي الإسلامي وهو البديل للنظام الاقتصادي القائم على الربا، ومن أهم سماته: 1- عدم إلحاق الأذى بالآخرين: أفرادا وشعوبا. 2- عدم تعطيل جريان الأرزاق بين العباد: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا(6)﴾ هود. ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)﴾ الذاريات. ﴿وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ...(60)﴾ العنكبوت. 3- طهر الوسائل ونبل الغايات. 4- نظام متكامل متوازن، يراعي مصالح الفرد والجماعة بلا إفراط أو تفريط. مناسبة الآيات: أقرضت قبيلة بني عمرو من ثقيف مالا لقبيلة بني المغيرة لأجل، فلما حل الأجل وعجزت عن تسديد الدين عرضت عليها القبيلة الدائنة القضاء أم الربا، باعتبار أن الربا مثل البيع، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾
التفسير: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ بدأ الله تعالى بوصف آكلي الربا في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يعيشون حالة قلق واضطراب وطمع، ويبعثون من قبورهم يوم القيامة بصورة مضطربة مخيفة كمن مسهم الشيطان. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فهم يتعاملون بالربا ويقرون أنه مثل البيع لأن كلا منهما يستهدف الحصول على الربح. ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فأجاب الله على إدعائهم وبين أنه ليس البيع كالربا، فالبيع يحقق ربحا بعد جهد وعمل، أما الربا يحصل ربحا دون جهد وعمل. ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ﴾ من علم بتحريم الربا فانتهى عن التعامل به، عفا الله عنه وأمره موكل إلى الله. ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ من كان يعلم بحقيقة الربا وتمادى في التعامل به فهو من أصحاب النار لا يفارقها و يخلد فيها أبدا. ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ والمحق هو النقصان ومنه القمر يبدأ هلالا ثم يكتمل بدرا ثم يتناقص فيصير محاقا صغيرا. فالله عز وجل ينقص فوائد وأرباح الربا، أما الصدقات والقروض الحسنة فيضاعف ثوابها وأرباحها. ﴿وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ والكافر هنا هو من يكفر بحكم شرعي فيحمل أوزار كثيرة وقد وردت بصيغة المبالغة: "كفار"، واستعمل الله تعالى لفظ "لا يحب" ليسنفر القلوب كي لا تكون ممن لا يحبهم الله وهذا حرمان لا يرضاه المؤمن. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يصف الله المؤمنين و يمدحهم بأعمالهم (الصلاة، الزكاة) فيعدهم أجرا يوم القيامة ولا خوف عليهم حين يفزع الناس ولا يحزنون على ما فاتهم من مصالح الدنيا لأن مآلهم الجنة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ يخاطب الله المؤمنين و يأمرهم بالتقوى، فالتقوى هي الحارس الأكبر لأحكام الشريعة، فإن كانوا كذلك تركوا الربا صغيره وكبيره، وتأكيدا لحكم (ترك الربا) ورد في الآية بين إيمانين. ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يتوعد الله كل من يتعامل بالربا ويستمر فيه بإعلان الحرب عليه، و من كان خصمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فحليفه الهزيمة ومآله الخسران. ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ باب التوبة مفتوح أمام المرابين فإذا تابوا احتفظوا برؤوس أموالهم دون زيادة أو نقصان، فلا يَظلمُون بأخذ الفوائد من الفقراء والضعفاء المدينين، ولا يُظلمَون من المدينين بإنقاص الأموال المقترضة. ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ يخاطب الله كل مقرض بإمهال المستدين المعسر إلى زوال عسره، وإن فعل ذلك فهو مأجور لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة) رواه مسلم. ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإن عفا الدائن عن المدين المعسر فهو خير له عند الله. ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ قال جمهور المفسرين أنها آخر آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلمن قال ابن كثير في تفسيره: [هذه الآية آخر ما نزل من القرآن العظيم، وقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى] وهي آية جامعة، يدعو الله فيها عباده أن يخافوه ويتقوا اليوم الآخر الذي سيحاسب كل بمفرده، ويجني ما زرعت يداه في الدنيا دون ظلم، والتقوى هي الحارس الأكبر لمقررات الشريعة وأحكامها. سئل أحد العلماء: كيف يحاسبنا الله يوم القيامة فردا فردا؟ فأجاب: [سيحاسبنا الله في الآخرة فردا فردا كما كان في الدنيا يرزقنا فردا فردا]. |