سورة البقرة

 


الآيات من 49 إلى 59

 

تتناول هذه الآيات طبائع اليهود، وتبين حقيقتهم للعيان، وهذا للاعتبار من قصتهم، ومعرفة كيفية التعامل معهم.

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ(49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ(50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ(51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ(55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(59)

قبل هذه الآيات ذكّر الله بني إسرائيل ببعض نعمه عليهم، وفي كل مرة كان يفتتح ب "وإذ" فالمجال دائما للتذكير.

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يذكرهم الله تعالى بنعمة عظيمة حيث أنجاهم من فرعون وشيعته، وفرعون هو صاحب سلطة وجبروت، عذب بني إسرائيل أشد العذاب، حتى أن الله قال ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ومعناه يذيقونكم، وفي اللغة يقال: سامت الماشية أي هي ترعى على الدوام، و بنو إسرائيل كانوا باستمرار تحت وطأة العذاب.

﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْلقد أمر فرعون بقتل كل أبناء اليهود، وذلك بعد أن رأى في المنام نارا مقبلة من بيت المقدس وفسره له الكهنة بميلاد ولد في  بني إسرائيل يكون سببا لهلاكه وزوال ملكه، فعزم أن يقتل كل مولود جديد، و جعل نساءهم خادمات له ولجنوده.

﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ بعد أن ذكر الله تعالى هذا العذاب الأليم بين أن كل ما يحدث لهم هو اختبار إلهي لهم ليعودوا إلى الله ويتبعوا سبيله ويطيعوا رسله.

﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ لقد نجى الله عز وجل موسى عليه السلام وقومه، حين طاردهم فرعون وجنوده وصلوا إلى البحر أيقنوا بالهلاك فقالوا في آية أخرى ﴿...إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) الشعراء، فالبحر أمامهم وفرعون وجنوده وراءهم، لكن سيدنا موسى عليه السلام المتوكل على ربه المستشعر بمعيته قال في رباطة جأش ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي(62) الشعراء، وكان الله عند حسن ظن نبيه فشق لهم طريقا في البحر حتى بانت الأرض اليابسة، فنجوا وهلك عدوهم أمام أعينهم، و هم شاهدون على نعمة الله وقدرته فكان من المفترض أن يستغفروا ربهم على عصيانهم وإفسادهم ويعاهدوه على أن لا يعصوه أبدا، لكنهم كعادتهم عادوا إلى العصيان و العناد.

﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ترك موسى قومه أربعين ليلة لميقات ربه عز وجل، فخدعهم رجل يدعى السامري فصنع لهم عجلا من ذهب فاتخذوه إلها وارتدوا عن دين الله سبحانه، وهذا ظلم كبير لقوله تعالى: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم .

﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ رغم كل هذا العصيان إلا أن الله تعالى عفا عنهم فهو الغفور الرحيم، لعلهم يشكرون الله و يعودون إلى رشدهم.

﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ يذكرهم الله تعالى بالكتاب الذي أنزله على سيدنا موسى و هو التوراة، وسماه الفرقان لأن التوراة قبل أن تحرف تفرق بين الحق والباطل بين الهدى والضلال، و هي التسمية التي أطلقها الله على القرآن الكريم.

﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ معناه أن بني إسرائيل لو اتبعوا الأحكام التي جاءت في التوراة فسوف يهديهم الله إلى الطريق المستقيم.

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمْ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ البارئ معناه الخالق، والخالق الحقيقي هو المستحق للعبادة، وليس العجل الذي صنعوه  فعبدوه  قال تعالى ﴿هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين لقمان 11، فبني إسرائيل حين أشركوا بالله ظلموا أنفسهم، والشرك أكبر جريمة يرتكبها العباد، فأمرهم الله أن يقتلوا أنفسهم.

قال المفسرون أن بني إسرائيل شعروا بذنب عبادتهم للعجل، فاستحقوا القتل إذ أن كل واحد يقتل الأخر فمات منهم سبعون ألف، إنه تاريخ مرير كانت نتيجته أن عفا الله عنهم.

﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أبواب التوبة مفتوحة دائما للعصاة.

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً حينما تاب اليهود من عبادة العجل أمر الله موسى أن يختار منهم سبعين رجلا يعتذرون إلى الله ﴿ واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فأمرهم موسى عليه السلام أن يتطهروا ويصوموا فذهبوا إلى جبل طور سيناء فأنزل الله الغمام على سيدنا موسى فلما سمع القوم صوت رب العزة فبدل أن يشكروا سيدنا موسى ويؤمنوا بالله كان الأمر غير ذلك فطلبوا أن يروا الله علانية، و هم بذلك  قد بلغوا أعظم درجات الجحود.

﴿فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ عاقبهم الله تعالى أن انزل عليهم من السماء نارا محرقة فماتوا جميعا.

حزن سيدنا موسى على مصيرهم وبكى عليهم، فناجى ربه، كيف سيعود إلى قومه وكيف سيخبرهم بالأمر، فأجرى الله تعالى معجزة أخرى فأعاد إليهم أرواحهم ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وفي هذا ليعترفوا بقدرة الله تعالى ويؤمنوا به، لكنهم جحدوا فلما طلب منهم سيدنا موسى عليه السلام أن يجاهدوا معه ويدخلوا بيت المقدس قالوا ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون المائدة 24، وبعصيانهم هذا عاقبهم الله بالتيه في الصحراء أربعين سنة، لكن رحمة الله أدركتهم.

﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى رزق الله بني إسرائيل غماما يحميهم من الشمس الحارقة تخفيفا عنهم، كما رزقهم المن والسلوى، فالمن كما قال المفسرون له ذوق يشبه العسل، أما السلوى فهو طائر يشبه السمانى له طعم لذيذ، وكلا من المن والسلوى يجدوه عندهم دون عمل أو جهد.

﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ يأمرهم الله أن يأكلوا من الخير الذي رزقهم دون تعب.

﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فبنو إسرائيل ظلموا أنفسهم بخروجهم عن طاعة الله، وإشراكهم به وهم بهذا لم ينقصوا من شأن الله تعالى.

﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ  لقد أمر الله بني إسرائيل أن يدخلوا بيت المقدس وأن يتمتعوا بخيراته، لكن يدخلوها وهم سجود تواضعا لرب العزة وحمدا له، وأن يطلبوا الغفران على ذنوبهم، فحطة تعني  أن يدعوا الله  بأن يحط عنهم سيئاتهم.

﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ يعدهم الله بالغفران والثواب الجزيل للمحسنين.

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عصوا الله فيما أمرهم فدخلوا الباب زاحفين مرددين غير الذي أمروا به.

﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ كان عقاب الظالمين أن أرسل الله عليهم طاعونا قضى على سبعين ألفا منهم في ساعة واحدة، وكان عقابا على فسوقهم وخروجهم عن طاعة الله. 

عودة