سورة البقرة

 


الآيات من 60 إلى 66

 

يواصل الله تعالى عرض صفات اليهود، وموقفهم من عهودهم مع الله.

﴿وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ(61) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ(64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(66)

 

 

﴿وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ يذكر الله تعالى بما فعله الأولون من اليهود، فقد عصوا الله تعالى حين قالوا لموسى عليه السلام ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا... المائدة 24، فعاقبهم الله بالتيه في الصحراء أربعين سنة.

وفي الصحراء شعروا بعطش شديد فطلبوا من موسى أن يدعو ربه أن يسقيهم، فأمره الله أن يضرب الحجر بعصاه ليبين معجزته وقدرته المطلقة، لعل بني إسرائيل يؤمنوا حين يروا المعجزة بأم أعينهم.

﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ انفجرت عيون من الحجر، ولكي لا يكون نزاع أو زحام عليها كانت بعدد الأسباط، رحمة من الله تعالى، فكل قبيلة تشرب من عينها.

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ  يذكرهم الله بنعمه، فقد رزقهم المن (شراب حلو كالعسل) والسلوى (طيور السماني) حين طلبوا منه ذلك.

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ينهاهم الله عن الإفساد، والذي هو من طبيعة اليهود وهو فساد مطلق: في العقيدة والعبادة والأخلاق...

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ يذكرهم الله تعالى بجحودهم وبأنهم لم يحمدوه على نعمه، ولم يحترموا موسى عليه السلام بندائهم له " يا موسى " بدل يا رسول ( يا نبي) الله، وفي ذلك رعونة وسوء أدب، وهم لم يقنعوا بطعام واحد وطمعوا في تنوعه بقولهم ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا وهذه قمة التمرد.

﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ نصحهم موسى عليه السلام، لأن ما أعطاهم الله من المن والسلوى خير مما طلبوا، لكنه العناد الذي يدفعهم لعدم الرضا بما قسمه الله لهم.

﴿هْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ  طلب منهم سيدنا موسى عليه السلام أن يذهبوا إلى أي بلد ففيه سيجدون ما يطلبون، لكن لن يجدوا المن والسلوى فالله تعالى أنعمهما عليهم بقدرته دون أن يبذلوا أي جهد.

﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ إحاطة بالذل والصغار والهوان فقد طردهم الله من رحمته.

﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ استحقوا سخط الله عليهم لأنهم كفروا بآياته استكبارا وجحودا وقتلوا الأنبياء بطرق شنيعة، واعتدوا عدوانا مطلقا.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يخاطب الله تعالى جميع ملل المؤمنين:

 ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا هم اليهود، ولقد سموا بذلك نسبة إلى "هودا" الابن الأكبر لسيدنا يعقوب عليه السلام، أو نسبة لقولهم ﴿ إنا هدنا إليك الأعراف 156، وهدنا معناه رجعنا وتبنا إليك.

﴿وَالنَّصَارَى هم أتباع المسيح عليه السلام.

﴿وَالصَّابِئِينَ  وفيه اختلاف: قيل أنهم عبدة النجوم، وقيل أنهم عبدة الملائكة، وقيل أنهم أتباع ملة إبراهيم عليه السلام.

ولفظ صابئ يطلق على كل من يخرج على دين الآباء، ولقد أطلق على كل من دخل الإسلام واتبع دين محمد عليه الصلاة والسلام وتنكر لعبادة الأصنام. 

﴿منْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا وقاسمهم المشترك هو عقيدة التوحيد: منطلقها الإيمان بالله، ومنتهاها الإيمان باليوم الآخر، ثم العمل الصالح الذي يكون ترجمة عملية للإيمان.

﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  يبشرهم الله  بألا خوف عليهم في الدنيا ولا في الآخرة ولا يحزنون بسبب تقصيرهم في عبادة الله والتزام أحكامه و وعدهم الله بالأجر الكبير.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يذكرهم الله بالميثاق الأكبر وهو العهد المؤكد بالإيمان، فقد عاهدوا الله أن يؤمنوا به، ويذكرهم بمعجزته ليعتبروا، فقد رفع فوقهم جبل الطور حتى أصبح كالظلة، ثم أمرهم أن يتمسكوا بالتوراة بقوة كقوة الجبل، يأخذوا بها بحزم كما أمر نبيه يحيى عليه السلام بقوله « يا يحيى خذ الكتاب بقوة» مريم 12، وأمرهم بذكر ما ورد في الكتاب من تعاليم وأحكام لعلهم يتقون.

﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ فرغم كل ما أنعم الله عليهم إلا أنهم نكثوا عهدهم الذي عاهدوه، ورجعوا عما التزموا به، ولكن رحمة الله أدركتهم فتاب عليهم.

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ يذكرهم الله بما فعله أسلافهم، فأهل السبت قوم كانوا يعيشون على الصيد قرب الساحل، طلبوا من الله تعالى أن يجعل لهم يوم السبت مقدسا يتفرغون فيه للعبادة، فابتلاهم إذ لم تكن الحيتان تتراءى لهم إلا يوم السبت وتختفي في سائر الأيام، فاحتالوا على رب العالمين، حيث كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة ويسحبونها في يوم الأحد مدعين أنهم لم ينتهكوا قدسية يوم السبت.

﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ كان عقاب الله لهؤلاء القوم المعتدين أن مسخهم إلى قردة مهانين، فكانوا موعظة وزجرا لغيرهم.

عودة