الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم
| محاضرات |
الخميس 27 ذو القـعدة 1426
الموافق لـ:29 ديسـمبر 2005
المنتدى الوطني الأول للقرآن الكريم - بسكرة
« الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم »
تمهيد
اقتضت حكمة الله عز وجل أن يؤيد رسله بالمعجزات، واختص رسوله محمد بالقرآن الكريم، وهو معجزة خالدة قاطعة أقر بها المسلمون إيمانا وتصديقا والكافرون اعترافا بعجزهم.
وقد ظهرت مدارس واتجاهات كثيرة في دراسة الإعجاز القرآني مثل: مدرسة المتكلمين ومدرسة المفسرين ومدرسة الأدباء، وألفت كتب تبحث في الإعجاز خاصة في القرنين الخامس والرابع عشر الهجريين من قبل علماء أفذاذ أمثال: أبو بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني ومحمد رشيد رضا ومصطفى صادق الرافعي ومحمد عبد الله دراز.
وقد تنوعت كتابات الإعجاز لتشمل أنواعا كثيرة منها:
- الإعجاز اللغوي.
- الإعجاز البلاغي.
- الإعجاز الصرفي.
- الإعجاز النفسي.
- الإعجاز التاريخي.
- الإعجاز الغيبي.
- الإعجاز التشريعي.
أولا: تعريف الإعجاز التشريعي
أ- الإعجاز لغة: يرد ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" كلمة الإعجاز إلى جذرها الثلاثي "عجز" الذي يفيد معنيين، الأول: الضعف، والثاني: مؤخر الشيء، أعجاز الأمور أواخرها.
واستفاض ابن منظور في "لسان العرب" في الحديث عن معاني "العجز" ومما ورد فيه ما يلي: العجز: الضعف، العجز: نقيض الحزم، والتعجيز: التثبيط، الإعجاز: الفوت والسبق، يقال: أعجزني فلان أي سبقني وفاتني وجعلني عاجزا عن طلبه وإدراكه، قال الأعشى:
فذاك ولم يعجز من الموت ربَّه و لكن أتاه الموت لا يتأبق
إذا كان لفظ "عجز" الثلاثي يستخدم في الضعف والهزيمة ومنه كلمة "عاجز" فإن لفظ "أعجز" الرباعي يستخدم في القوة والانتصار ومنه كلمة "معجز".
و"المعجزة" يراد بها الأمر الخارق للعادة "فلا تخضع لمقاييس البشر وسنن الكون" السالم من المعارضة "فلا يقدر الناس على معارضتها ونقضها" يؤيد به الله أنبياءه ورسله.
وردت استعمالات كثيرة لمادة "العجز" في القرآن الكريم منها:
- بصيغة الماضي، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [سورة المائدة، الآية 31].
- بصيغة المضارع: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ [سورة الأنفال، الآية 59]، وقال أيضا: ﴿... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [سورة فاطر، الآية 44].
ب- الإعجاز التشريعي:
يراد به الإحكام والقوة في تشريعات القرآن الكريم ونظمه ومبادئه وقيمه.
ثانيا: تعريف القرآن الكريم
هو كلام الله تعالى المعجز المنزل على سيدنا محمد باللفظ العربي، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب بالمصاحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
ثالثا: وجوه الإعجاز التشريعي
تعددت وجوه الإعجاز التشريعي منها:
أ- شمولية أحكام القرآن الكريم:
تستغرق أحكام القرآن جميع جوانب الحياة منها:
1. في المجال السياسي والدستوري: بيان العلاقة بين الراعي والرعية، من خلال جملة مبادئ وأحكام منها مبدأ الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [سورة الشورى، الآية 38]، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران، الآية 159].
2. في المجال القضائي: تقرير مبدأ العدل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ...﴾ [سورة النساء، الآية 58].
3. في المجال المدني والتجاري: من خلال تقرير قواعد الإثبات في البيع والرهن والديون سواء كانت مدنية أو تجارية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة، الآية 282].
4. في المجال الجنائي:
- تقرير قاعدة: [لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص] قال تعالى: ﴿...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [سورة الإسراء، الآية 15].
- التسوية في العقوبات بين الحاكم والمحكوم، قال تعالى: ﴿َلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى...﴾ [سورة الإسراء، الآية 15]، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [سورة المدثر، الآية 38].
5. في مجال الأسرة: وما يتصل بها من عقد الزواج والنفقة والحضانة والطلاق وقواعد القرابة والمواريث وغيرها.
ومن الآيات الدالة على ذلك مثلا: قوله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الروم، الآية 21].
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [سورة الطلاق، الآية 1].
﴿...وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ...﴾ [سورة البقرة ، الآية 233].
﴿ُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ...﴾ [سورة النساء، الآية 11].
6. في المجال المالي والاقتصادي:
تشريع نظام الزكاة ﴿خُذْ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة، الآية 103]، وتحريم المعاملات الربوية، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية 275].
ب- تقرير المبادئ العامة والقواعد الكلية: من ذلك:
1. مبدأ الوفاء بالعقود، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ...﴾ [سورة المائدة، الآية 1].
2. مبدأ الرضائية في العقود قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ...﴾ [سورة النساء، الآية 29].
ج- تحقيق التشريع القرآني لمصالح العباد:
وردت نصوص قرآنية كثيرة تحفظ الكليات الكبرى والمصالح الضرورية للإنسان:
- حفظ الدين: في قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ﴾ [سورة المائدة، الآية 3].
- حفظ النفس: ﴿َنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ﴾ [سورة المائدة، الآية 32].
- حفظ العرض: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة المائدة، الآية 151].
- حفظ العقل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية 90].
- حفظ المال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة المائدة، الآية 38-39].
﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية 188]
| < السابق | التالي > |
|---|


