الخميس 22 ذو القعدة 1435 هـ / الموافق لـ, 18 سبتمبر 2014 م

PostHeaderIcon حقوق الإنسان

تمهيد:

حقوق الإنسان موضوع عريض شائك وواسع جدا، لكننا سنحاول أن نتتبع مسيرة حقوق الإنسان عبر تاريخ الإنسان ووضعها الحالي، ثم نحاول أن ندرس الموضوع من وجهة إسلامية وهذا هو بيت القصيد، ذلك أن موضوع حقوق الإنسان موضوع مطروح بحدة ومن ثمّ يتعين علينا معرفة المنظور الإسلامي في هذه المسألة وأن نكون على بينة من الأمر.

ككل موضوع مطروح في الدراسات الإنسانية المعاصرة، لابد قبل أن نعرف حكم الإسلام فيه من أن نعرف خلفيته الوضعية والإنسانية، خاصة وأنه اليوم يعد من شعارات غير المسلمين ومن القضايا التي يُزايد عليها وبمناسبتها غير المسلمين أكثر مما نفعله نحن، ذلكم أن حقوق الإنسان قد صارت فعلا من المسائل المطروحة اليوم في الغرب، ولعل من أسباب الإلحاح الذي تطرح به هذه القضية اليوم هو الغمط والغبن الذي كانت تشكو منه حقوق الإنسان في بلاد الغرب قبل هذه العقود المتأخرة من الزمن لأننا لما تدرس هذه القضية بنظرة تاريخية، نجده تاريخا مليئا بالصراعات وبالمواجهات والتضحيات التي قدمت في سبيل إقرار حقوق الإنسان.

 

أولا: عوامل ظهور حركة حقوق الإنسان

مرّ على الإنسان زمن لم يذكر أي حديث فيه عن حقوق الإنسان، حيث كان التعامل بين الناس يخضع لمنطق القوة والغلبة،كان هذا في العصور القديمة ويصدق حتى على فترة الانتقال إلى المدينة السياسية كما حدث في روما ويصدق هذا أيضا على القرون الوسطى، كان فيه صراع بين مستضعفين وأقوياء، بين محكومين وحكّام، هذا هو أساس المشكلة الذي دفع حركة حقوق الإنسان إلى الظهور في الغرب بدءً من عصر النهضة الذي بدأ في حدود القرن السادس عشر للميلاد.

وكانت وراءه عدة عوامل، نذكر منها:

1. الرسالات السماوية: التي كانت تتنزل تترى على البشر لتؤكد ألوهية الله عز وجل وكرامة الإنسان واشتراك البشر جميعا في العبودية له وحده وتدين الطغيان والاستعباد الذي كانت البشرية تعاني منه، ومنها الرسالة الإسلامية والمسيحية

2. الدعوات الفكرية: التي قادها بعض المفكرين الغربيين أمثال جون جاك روسو، جون لوك وغيرهما من المفكرين والمنظّرين.

3. عوامل اقتصادية: لعبت دورها، ففي نهاية عهد الإقطاع بدأت الحركة البرجوازية بالظهور ولم يرق لها استعباد الإقطاعيين للناس واستغلالهم، فسعوا إلى تحريرهم من أجل استغلالهم بدورهم في المصانع بنقلهم إلى المدن، وكانوا يسعون أيضا إلى توحيد السلطة وتغيير الوضع السائد.

4. النهضة العلمية: التي بدأت تباشيرها تظهر في عصر النهضة بعدما أن قاسى وعانى الأحرار من رجال العلم والفكر من سيطرة رجال الكنيسة ومن اضطهادها للعلم ولكل فكرة جديدة.

كل هذه العوامل مجتمعة كانت وراء ظهور حركة حقوق الإنسان، لكن الذي حصل هو أن هذه الحركة وُجّهت من قبل الحركة البرجوازية الناشئة وهم أناس ضواحي المدن الذين بدؤوا بجمع رؤوس الأموال لتوجيه كل الأحداث لصالحهم، فهم وجهوا حركة حقوق الإنسان لصالحهم، بقولهم بأهمية توجيه الحركة الاقتصادية ولابد بأن تكون حقوق الإنسان مطلقة، وظهرت مدرسة الحق الطبيعي ولكن يكفي أن تتقرر هذه الحقوق على نحو شكلي قانوني يتيح الفرصة من الناحية القانونية الأفراد دون أن يمكنهم فعلا وعملا من التمتع بتلك الحريات، فالتاجر له حرية نقل سلعه، تملك حرية التكلم، حرية التفكير لكن هذا لمن يملكون الوسائل والأدوات، لهذا قيل أن هذه الحقوق كانت شكلية وحقوق قانونية وليست فعلية بما فيها الحقوق الشخصية والفكرية والاقتصادية وبما فيها مبدأ المساواة الذي يمثل حجر الزاوية في كل ديمقراطية وفي كل نظام يدّعي حقوق الإنسان.

فالمساواة أيضا كانت توصف بالشكلية لأنهم يقولون أن الناس متساوون في اكتساب الحقوق لكنهم في أوضاعهم الحقيقية ليسوا سواء، فاتضح أن المنحى الذي اتخذته حركة حقوق الإنسان في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كان يرجح الجانب الشكلي و القانوني الذي كان يستفيد منه بعض الأفراد دون المجتمع في عمومه ومن ثم قيل أن هذه الحقوق حقوق فردية لأن الذين كانوا من ورائها كانوا يسعون إلى ترقية الفرد ولو على حساب المجتمع ومن ثم وصفت بعض الحقوق أنها مطلقة كحق الملكية وحق الأمن، هذا كله أدى إلى ظهور مظالم وغبن اجتماعي أول من عان منه هي الطبقات العاملة التي كانت تستغل استغلالا فاحشا في المدن وظهر ذلك من خلال تجمعاتهم قرب المصانع، وبمناسبة الحرب العالمية هذا أدى إلى احتكاك الأفكار تولد عنه مطالب اجتماعية تهدف إلى إضفاء طابع جماعي أكثر عدالة على حقوق الإنسان ومن ثم ظهرت طائفة جديدة التي تدعى اليوم بالحقوق الاجتماعية وهناك من يضيف إليها الحقوق الاقتصادية، فقد انتهينا من مسيرة حقوق الإنسان في شقها الأول وشقها الثاني التي هي الحقوق الاجتماعية.

 

ثانيا: أنواع حقوق الإنسان

فالحقوق الفردية التقليدية يمكن تصنيفها في أربعة تصنيفات رئيسية:

1. الحقوق الشخصية أو الحقوق الفردية:

- حق الأمن: حق الإنسان في السلامة في بدنه وألا يعتقل إلا وفقا للقانون مع احترام الإجراءات والضمانات.

- حرمة المساكن.

- سرية المراسلات.

- حق التنقل.

2. الحقوق الفكرية:

- حق العقيدة والعبادة: كان معروف في أوربا لوجود صراع كبير بين رجال الكنيسة ورجال الفكر. (كما يمكن أن نلمس تدخل اليهود أنهم كانوا يعانون شديد المعاناة من النظام القائم بين التمييز الديني فقد كانوا أكثر الناس استفادة من تقرير هذا المبدأ) بما فيه حق الردة أو عدم الإيمان بأي دين.

- حرية التعبير، حرية الرأي، حرية الصحافة والطبع وكذلك حرية التعليم.

3. الحريات الاقتصادية:

بما فيها حق التملك وحق العمل والتجارة، وقد خضع لتطور ففي البداية كان فردي بحت ثم خضع لتطور بعدما كان حقا مقدسا أصبح يخضع لقيود وواجبات يفرضها منطق التضامن الاجتماعي حتى انتهى الأمر إلى بعض فقهاء الغرب بتصوير حق الملكية إلى أنه وظيفة اجتماعية أكثر من كونه حقا فرديا.

4. الحقوق السياسية:

حق المشاركة في تسيير شؤون الدولة بما يتضمنه من حق الانتحاب وحق تولي الوظائف العامة على قدم المساواة بين المواطنين جميعا.

5. مبدأ المساواة:

كحق ينبغي أن يتاح لجميع المواطنين ويحكم كل الحقوق والحريات التي ذكرناها التي يجب أن تمارس على قدم المساواة. وهذا الحق أيضا خضع لتطورات بعد أن كان قانونيا شكليا بحتا صار يقبل استثناءات تمليها العدالة الاجتماعية ويمليها منطق التطور الذي صار يقبل به الضمير الغربي بعد مطالبات ومغالبات من القاعدة المظلومة.

6. الحقوق الاجتماعية:

بين الحربين العالميتين ظهرت طائفة الحقوق الاجتماعية ومن كان وراء هذه الحقوق هي الدعوات الاشتراكية والدعوات الاجتماعية المسيحية التي تنادي إلى ضرورة إرساء الحقوق الاجتماعية وهي:

1. حق الرعاية الاجتماعية: ضمان المعيشة لكبار السن الذين لا دخل لهم، وكذلك توفير لقمة العيش للضعفاء الذين لا دخل لهم.

2. الرعاية الصحية: بما تقتضيه من تيسير الخدمات الطبية والطب المجاني للمرضى والعاجزين.

3. حق التعليم والثقافة

فهذه الحقوق الاجتماعية أصبح معترف بها ليس فقط في الدول الاشتراكية التي تعتبر رائدة هذه الحقوق لكن في سائر الأنظمة الغربية الأخرى حتى الرأسمالية منها مع تفاوت منها في تحقيق هذه الحقوق في الواقع.

وعلى المستوى الدولي كان فيه ظهور لإعلانات واتفاقات منها:

1- إعلان حقوق الإنسان للمواطن في 1789 الذي كانت تغلب عليه المسحة الفردية.

2- إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في 1776.

3- البيان العالمي لحقوق الإنسان في 1948 ويعتبر أشمل وثيقة لحقوق الإنسان.

4- الاتفاقية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية ة الثانية المتعلقة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية تم الاتفاق عليهما سنة 1966.

 

ثالثا: نظرة الإسلام إلى حقوق الإنسان

كان الإسلام أسبق إلى الإقرار بحقوق الإنسان، ولا بد من الإشارة إلى أن للإسلام نظرة مخالفة تماما لنظرة المواثيق الوضعية والقوانين البشرية، لأن الإنسان في منطق الشريعة الحنيفة هو إنسان التكليف والمسؤولية قبل أن يكون صاحب الحق والحرية، فالحق والحرية في الإسلام يتقرران بالحكم الشرعي والحكم الشرعي في تعريف الأصوليين هو خطاب الله تعالى المتعلق بالمكلفين، ومن ثم فإن كل حق هو منحة من الله وقابل للتقييد باعتبار أن الشريعة الإسلامية لا تعرف الحقوق المطلقة، وإنما يتقرر كونه حقا بإقرار الشارع له لا بكونه حقا بحكم الأصل، لكن هذا لا يتناقض مع كون الشريعة أقرت للإنسان حقوقا في مواجهة أخيه الإنسان، بل توصف أحيانا بالحرمات التي لا يجوز إطلاقا التعدي عليها.

قررت الشريعة الإسلامية منذ نزولها للإنسان جملة من الحقوق الفردية بأصنافها الخمسة التي ذكرناها سالفا، وفي نفس الوقت قررت له الحقوق الاجتماعية والجميل في كل هذا أن هذه الحقوق التي لم تتقرر عند الغرب إلا في العقود الأخيرة تقررت في الشريعة مع الآيات الأولى نزولا لأهمية هذه الحقوق فكانت تتحدث عن الحق في التكافل وسائر الحقوق الاجتماعية بالإضافة إلى حق الثقافة التي تتجلى في أول آية نزلت وهي "اقْرَأ باسم ربك"، هذا يظهر سبق الشريعة الإسلامية إلى الإقرار بحقوق الإنسان بل فضل الشريعة يتجاوز ذلك السبق التاريخي إلى إحداث التوازن بين الحقوق الفردية والحقوق الاجتماعية، لأن المشكلة المطروحة هي أن هناك نوع من التعارض بين هذه الحقوق، حيث إن الإفراط في حماية الحقوق الفرد يحدث التفريط في حقوق المجتمع، وبالمقابل الاهتمام بالمجتمع ومصلحته يمكن أن يحدث التفريط في حقوق الفرد، وهذا النقص لا يمكن أن ينجو منه أي نظام من الأنظمة الوضعية.

فهذا التوازن لا نجده إلا في الشريعة الإسلامية ولا يقدر على إحداثه إلا الله سبحانه وتعالى.

فحين تتعارض الحقوق الفردية ومصلحة المجتمع فإن الشريعة تسبق مصلحة المجتمع أو توازن بينهما على نحو ما، فحق الفرد في الحياة والأمن والتملك والتفكير، لا يخول له التعدي على أمن المجتمع واستقراره وأخلاقه، وبعد ذلك على الفرد واجبات اتجاه أفراد المجتمع العاجزين منها الزكاة.

وكذلك الأمر بالنسبة للمساواة، فالمساواة مطلقة في الاعتبار الإنساني ولكن عند فرض الواجبات ومنح الامتيازات لابد من مراعاة ظروف الأفراد لكي تكون الحقوق والتكاليف متناسبة مع ظروفهم لكي لا يحصل الإرهاق ويتحقق العدل الذي يأمر به الله سبحانه وتعالى.