تفسير سورة آل عمران من الآية 33 إلى الآية 41
| تفسير القرآن الكريم - تفسير سورة آل عمران |
من الآية 33 إلى 41
﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ(37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء(38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ للّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ(39) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ َذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء(40) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قََالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر َّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ(41)﴾
التفسير:
﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ اصطفى الله آدم أبا البشرية ونوحا شيخ الأنبياء وآل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وذريتهما ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعائلة عمران وهي عائلة عيسى عليه السلام، وهؤلاء يشتركون في الإيمان والتقوى والصالحات.
﴿وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فالله يسمع أقوال الخلق ويعلم أفعالهم.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يقص الله تعالى قصة حنة بنت فاقود زوجة عمران حيث كانت عجوزا عاقرا وشيخها كبير وعاقر، وفيما هي ذات يوم تحت ظل شجرة إذ رأت طائرا يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته، وقالت: [اللهم إن علي لك نذرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته]، ثم هلك عمران وهي حامل، وكان الشائع أيامها هذا النوع من النذور فيجعل الآباء أبناءهم لخدمة بيت المقدس في فلسطين وعبادة الله، ودعت حنة الله أن يقبل دعاءها موقنة باستجابة الله لدعائها.
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ رزقها الله ببنت فتحسرت لذلك لأنها تمنت ذكرا لتفي بنذرها، فسمتها مريم عابدة خادمة للرب، وأعاذتها بالله من شر الشيطان الرجيم، فتقبل الله دعاءها.
﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ اختار الله تعالى حضن زكريا عليه السلام لتربيتها وكفالتها، فكانت تعبد الله في محراب المسجد، وحينما يحضر لها الطعام يجد عندها رزقا ومنه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء, فاستفسر عن الأمر فأجابته أنه من عند الله الذي يرزق من يشاء بلا جهد ولا تعب.
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء﴾ دعا سيدنا زكريا عليه السلام الله تعالى أن يرزقه الولد الطيب توريثا للنبوة فهو يتقبل الدعاء.
﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ للّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ناداه جبريل عليه السلام وهو في محرابه يصلي لله تعالى فبشره بولد:
- اسمه يحيى وبالعبرية يوحنّا.
- مؤمنا بعيسى عليه السلام أنه رسول الله، وموحدا لله.
- سيدا في قومه.
- حصورا متعففا عن شهواته.
- صالحا، حائزا لشرف النبوة.
﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ ذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ استغرب سيدنا زكريا لبشارة الله فهو رجل طاعن في السن قد بلغ مائة وعشرين سنة، وزوجته عاقر، فكانت إجابة الله تعالى أن ذلك من أموره يقدرها كما يشاء، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا* قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا* قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم الاية 7-9]
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً َقالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر ربَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ طلب من الله آية فكانت آيته أن منع عنه الكلام فكان يحدث الناس إشارة باليد، ويسر له الذكر والتسبيح.


